وروي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يردها إلى بناء ابن الزبير لما جاء عن النبي وامتثله ابن الزبير فقال له مالك : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناءه فتذهب الهيبة من صدور الناس.
قالوا : بنيت الكعبة عشر مرات : بناء الملائكة وكان قبل خلق آدم عليه السلام، وبناء آدم، وبناء بني آدم، وبناء الخليل، وبناء العمالقة وبناء جرهم وبناء قصي بن كلاب، وبناء قريش، وبناء عبد الله بن الزبير، وبناء الحجاج بن يوسف، وما كان ذلك بناء لكلها بل لجدار من جدرانها.
وقال الحافظ السهيلي : إن بناءها لم يكن في الدهر إلا خمس مرات : الأولى حين بناها شيث عليه الصلاة والسلام وروي في الخبر النبوي هذا البيت خامس خمسة عشر سبعة منها في السماء إلى العرش وسبعة منها إلى تخوم الأرض السفلى وأعلى الذي يلي العرش البيت المعمور لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها بيت سقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السابعة ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا البيت ذكره المحدث الكازروني في "مناسكه".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما كان العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض بعث الله ريحاً فصفقت الماء فأبرزت خشبة في موضع البيت كأنها قبة على قدر البيت اليوم فدحا الله سبحانه من تحتها الأرض فمادت ثم مادت فأوتدها بالجبال فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس ولذلك سميت مكة بأم القرى.
قال كعب بنى سليمان عليه السلام بيت المقدس على أساس قديم كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم وهو أساس الملائكة في وجه الماء إلى أن علا ﴿رَبَّنَآ﴾ أي : يرفعانها قائلين ربنا ﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ الدعاء وغيره من القرب والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من البناء وفرق بين القبول والتقبل بأن التقبل لكونه على بناء التكلف إنما يطلق حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل إلا على طريق التفضل والكرم ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى فاختيار لفظ التقبل اعتراف منهما بالعجز والإنكار والقصور في العمل ﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ﴾ لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤنا
٢٣٢
وتضرعنا ﴿الْعَلِيمُ﴾ بكل المعلومات التي من زمرتها نياتنا في جميع أعمالنا ودل هذا القول على أنه لم يقع منهما تقصير بوجه ما في إتيان المأمور به بل بذلا في ذلك غاية ما في وسعهما فإن المقصر المتساهل كيف يتجاسر على أن يقول بأطلق لسان وأرق جنان إنك أنت السميع العليم.
ودلت الآية أيضاً على أن الواجب على كل مأمور بعبادة وقربة إذا فرغ منها وأداها كما أمر بها وبذل في ذلك ما في وسعه أن يتضرع إلى الله ويبتهل ليتقبل منه وأن لا يرد عليه فيضيع سعيه وأن لا يقطع القول بأن من أدى عبادة وطاعة تقبل منه لا محالة إذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنى فالقبول والرد إليه تعالى ولا يجب عليه شيء.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٩


الصفحة التالية
Icon