﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي : دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان ولا دين عنده غيره ﴿فَلا تَمُوتُنَّ﴾ أي : لا يصادفكم الموت ﴿إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي : مخلصون بالتوحيد محسنون بربكم الظن وهذا نهي عن الموت في الظاهر وفي الحقيقة عن ترك الإسلام لأن الموت ليس في أيديهم وذلك حين دخل يعقوب مصر فرأى أهلها يعبدون الأصنام فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإسلام فإن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه وإنه ليس بموت السعداء وإن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم وتخصيص الأبناء بهذه الوصية مع أنه معلوم من حال إبراهيم أنه كان يدعو الكل أبداً إلى الإسلام والدين وللدلالة على أن أمر الإسلام أولى الأمور بالاهتمام حيث وصى به أقرب الناس إليه وأحراهم بالشفقة والمحبة وإرادة الخير مع أن صلاح أبنائه سبب لصلاح العامة لأن المتبوع إذا صلح في جميع أحواله صلح التابع.
روي أنه لما نزل قوله تعالى :﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِينَ﴾ (الشعراء : ٢١٤) جمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقاربه وأنذرهم فقال :"يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً" يعني لا أقدر على دفع مكروه عنكم في الآخرة إن أراد الله أن يعذبكم وإنما أشفع لمن أذن الله لي فيه وإنما يأذن لي إذا لم يرد تعذيبه إنما قال عليه السلام في حقهم هكذا لترغيبهم في الإيمان والعمل لئلا يعتمدوا على قرابته ويتهاونوا ولا بد من الوصية والتحذير في باب الدين لأن الإنسان إذا أنس بأهل الشر يخاف أن يتخلق بأخلاقهم ويعمل عملهم فيجره ذلك الهوى إلى الهاوية كما قيل :
نفس از همنفس بكيرد خوى
بر حذر باش از لقاي خبيث
باد ون برفضاي بد كذرد
بوى يد كيرد از هواي خبيث
٢٣٨
وكتب أبو عبيد الصوري إلى بعض إخوانه : أما بعد، فإنك قد أصبحت تأمل الدنيا بطول عمرك وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك وإنما تضرب حديداً بارداً والسلام وحسن الظن بالله تعالى إنما يعتبر بعد إصلاح الحال بالأخلاق والأعمال.
قال الحسن : إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة.
يقول أحدهم : إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل وتلا قوله تعالى :﴿وَذَالِكُمْ ظَنُّكُمُ﴾ (فصلت : ٢٣) الآية اللهم وفقنا للعلم والعمل قبل الأجل.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٧
﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ لأهل الكتاب الراغبين عن ملة إبراهيم عليه السلام وأم منقطعة مقدرة ببل والهمزة.
قال في "التيسير" : أم إذا لم يتقدمها ألف الاستفهام كانت بمنزلة مجرد الاستفهام ومعنى الهمزة فيها الإنكار يعني أكنتم شهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر يريد ما كنتم حاضرين ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي : إماراته وأسبابه وقرب خروجه من الدنيا نزلت حين قالت اليهود للنبي عليه السلام : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فقال تعالى : ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب وقال لبنيه ما قال وإلا لما ادعيتم عليه اليهودية ولكان حرضكم على ملة الإسلام ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدل من إذ حضر والعامل فيها شهداء ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنا بَعْدِى﴾ أي : أيُّ شيء تعبدونه بعد موتي أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما.
قال الراغب لم يعن بقوله : ما تعبدون من بعدي العبادة المشروعة فقط وإنما عني أن يكون مقصودهم في جميع الأعمال وجه الله تعالى ومرضاته وأن يتباعدوا عما لا يتوسل به إليها وكأنه دعاهم إلى أن لا يتحروا في أعمالهم غير وجه الله تعالى ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام وإنما خاف أن تشغلهم دنياهم ولهذا قيل ما قطعك عن الله فهو طاغوت ولهذا قال واجنبني وبني أن نعبد الأصنام أي : أن نخدم ما دون الله.
قال في "المثنوي" :
يست دنيا از خدا غافل شدن
نى قماش ونقره وفر زند و وزن