قال النحرير التفتازاني : وما عامّ أي : يصح إطلاقه على ذي العقل وغيره عند الإبهام سواء كان للاستفهام أم غيره وإذا علم أن الشيء من ذي العقل والعلم فرق بمن وما فيخص من بذي العلم وما بغيره وبهذا الاعتبار يقال إن ما لغير العقلاء انتهى كلامه وتم الإنكار عليهم عند قوله ما تعبدون من بعدي ثم استأنف وبين أن الأمر قد جرى على خلاف ما زعموا فقال :﴿قَالُوا﴾ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل : قالوا ﴿نَعْبُدُ إِلَـاهَكَ وَإِلَـاهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِامَ وَإِسْمَـاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ﴾ أي : نعبد الإله المتفق على وجوده وإلهيته ووجوب عبادته وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة الآباء تغليباً للأب والجد لأن العم أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد وهو الإخوة لا تفاوت بينهما ومنه قوله عليه السلام :"عم الرجل صنو أبيه" أي : لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة.
﴿إِلَـاهًا وَاحِدًا﴾ بدل من إله آبائك وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشىء من تكرار المضاف أو نصب على الاختصاص كأنه قيل نريد ونعني بإله آبائك إلهاً واحداً ﴿وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ﴾ حال من فاعل نعبد.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٧
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون ﴿أُمَّةٌ﴾ هي في الأصل المقصود كالعهدة بمعنى
٢٣٩
المعهود وسمي بها الجماعة لأن فرق الناس تؤمها أي : يقصدونها ويقتدون بها وهي خبر تلك ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي : مضت بالموت وانفردت عمن عداها وأصله صارت إلى الخلاء وهي الأرض التي لا أنيس بها والجملة نعت لأمة ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ تقديم المسند لقصره على المسند إليه أي : لها كسبها لا كسب غيرها ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ لا كسب غيركم ﴿وَلا تُسْـاَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي : لا تؤاخذون بسيئات الأمة الماضية كما في قوله : ولا تسألون عما أجرمنا كما لا تثابون بحسناتهم فلكل أجر عمله وذلك لما ادعى اليهود أن يعقوب عليه السلام مات على اليهودية وأنه عليه السلام وصى بها بنيه يوم مات وردوا بقوله تعالى :﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ الآية قالوا : هب أن الأمر كذلك أليسوا آباءنا وإليهم ينتمي نسبنا فلا جرم ننتفع بصلاحهم ومنزلتهم عند الله تعالى قالوا ذلك مفتخرين بأوائلهم فردوا بأنهم لا ينفعهم انتسابهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعهم في الأعمال فإن أحداً لا ينفعه كسب غيره كما قال عليه السلام :"يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم" وقال عليه السلام :"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" يعني : من أخره في الآخرة عمله السيىء أو تفريطه في العمل الصالح لم ينفعه شرف نسبه ولم تنجبر نقيصته به قال الشاعر :
أتفخر باتصالك من علي
وأصل البؤسة الماء القراح
وليس بنافع نسب زكي
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٩
يدنسه صنائعك القباح والأبناء وإن كانوا يتشرفون في الدنيا بشرف آبائهم إلا أنه إذا نفخ في الصور فلا أنساب والافتخار بمثل هذا كالافتخار بمتاع غيره وإنه من الجنون فلا بد من كسب العمل والإخلاص فيه فإنه المنجي بفضل الله تعالى وجاء في حديث طويل وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :"إني رأيت البارحة عجباً رأيت رجلاً من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاء بره لوالديه فرده عنه ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً كلما ورد حوضاً منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه ورأيت رجلاً من أمتي والنبيون قعود حلقاً حلقاً كلما دنا الحلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده إلى جنبي ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فهو متحير فيها فجاءته حجته وعمرته فاستخرجتاه من الظلمة وأدخلتاه في النور ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت : يا معشر المؤمنين كلموه كلموه ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت ستراً على وجهه وظلاً على رأسه ورأيت رجلاً من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ورأيت رجلاً من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فجعلها
٢٤٠


الصفحة التالية
Icon