ما موصولة عامة لجميع ما يكتسب بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة ويدخل فيه كتمان شهادة الله دخولاً أولياً أي : هو محيط بجميع ما تأتون وما تدرون فيعاقبكم بذلك أشد عقاب ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ أي : الأنبياء جماعة ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي : مضت بالموت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من الأعمال ﴿وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ منها ﴿وَلا تُسْـاَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي : لا يسأل أحد عن عمل غيره بل يسأل عن عمله ويجزى به وهذا تكرير للآية السابقة بعينها للمبالغة في الزجر عما هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على أعمالهم قال الله تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلا أَنسَابَ﴾ (المؤمنون : ١٠١) ـ قيل ـ لما انصرف هارون الرشيد من الحج أقام بالكوفة أياماً فلما خرج وقف بهلول المجنون على طريقه
٢٤٥
وناداه بأعلى صوته يا هارون ثلاثاً فقال هارون : من الذي يناديني تعجباً؟ فقيل له : بهلول المجنون فوقف هارون وأمر برفع الستر وكان يكلم الناس وراء الستر فقال له : ألم تعرفني؟ قال : بلى أعرفك فقال : من أنا؟ قال : أنت الذي لو ظلم أحد في المشرق وأنت في المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون وقال : كيف ترى حالي؟ قال : اعرضه على كتاب الله وهي الجزء الثاني إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم وقال : أين أعمالنا؟ قال : إنما يتقبل الله من المتقين قال : وأين قرابتنا من رسول الله تعالى عليه وسلم؟ قال : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم قال : وأين شفاعة رسول الله لنا؟ قال : يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً فلا بد من الأعمال الصالحة والإخلاص فيها فإن الله يتقبلها لا غيرها.
قال الجنيد : الإخلاص سر بين العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.
قال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك عنهما.
وفي "التتارخانية" لو افتتح للصلاة خالصاًتعالى ثم دخل في قلبه الرياء فهو على ما افتتح والرياء على أنه لو خلا عن الناس لا يصلي ولو كان مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب أصل الصلاة دون الإحسان.
قال بعض الحكماء : مثل من يعمل الطاعة للرياء والسمعة كمثل رجل يخرج إلى السوق وقد ملأ كيسه حصى فيقول الناس : ما أملأ كيس فلان ولا منفعة له سوى مقالة الناس وفي الحديث "أخلصوا أعمالكمتعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذاوللرحم وليستعالى منه شيء" ومن أحاديث المشارق "لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله" قال النووي المراد الذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو لموسى أو غيرهما.
ذكر الشيخ إبراهيم المراودي : إن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله.
وقال الرافعي : هذا غير محرم لأنهم إنما يذبحونه استبشاراً بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم انتهى كلامه وعليه تحمل أفعال المسلمين صيانة لهم عن الكفر وضياع الأعمال فإن الموحد مطمح نظره رضى مولاه والتعبد إليه بما تيسر له من القربات اللهم اعصمنا من الزلات.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٤