﴿سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ﴾ أي : الذين ضعفت عقولهم حال كونهم ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ أي : الكفرة يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين وإنما كانوا سفهاء لأنهم راغبون عن ملة إبراهيم وقد قال تعالى :﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِامَ إِلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة : ١٣٠) أي : أذلها بالجهل والإعراض عن النظر وفائدة تقديم الإخبار به قبل وقوعه ليوطئوا عليه أنفسهم فلا يضطربوا عند وقوعه لأن مفاجأة المكروه أشد على النفوس وأشق وليعلمهم الجواب
٢٤٦
فإن العتيد قبل الحاجة إليه أرد لشغب لخصم الألد و"قبل الرمي يراش السهم" وهو مثل يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها ﴿مَا وَلَّـاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ما استفهامية إنكارية مرفوعة المحل على الابتداء ووليهم خبره والجملة في موضع النصب بالقول يقال تولّى عن ذلك أي : انصرف وولى غيره أي : صرفه والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال فنقلت في عرف الشرع في الجهة التي يستقبلها الإنسان للصلاة وهي من المقابلة وسميت قبلة : لأن المصلي يقابلها، والمعنى : أي شيء صرفهم وحولهم عن قبلتهم التي كانوا على التوجه إليها وهي بيت المقدس ولم انصرفوا منها إلى الكعبة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٦
ـ روي ـ أن النبي عليه السلام صلى إلى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحواً من سبعة عشر شهراً تأليفاً لقلوب اليهود ثم صارت الكعبة قبلة المسلمين إلى نفخ الصور ﴿قُلْ﴾ كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل :﴿الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي : الأمكنة كلها والنواحي بأسرهاتعالى ملكاً وتصرفاً فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة حتى يمتنع إقامة غيره مقامه والشيء من الجهات إنما يصير قبلة بمجرد أن الله تعالى أمر بالتوجه إليها فله أن يأمر في كل وقت بالتوجه إلى جهة من تلك الجهات على حسب ألوهيته واستيلائه ونفاذ قدرته ومشيئته فإنه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق أن يطيع خالقه ويأتمر بأمره من غير أن يتحرى خصوصية في المأمور به زائدة على مجرد كونه مأموراً به فإن الطاعة له ليس إلا بارتسام أمره أي : امتثاله لا تجري العلل والأغراض الداعية له تعالى إلى الأمر لأن أحكام الله تعالى وأفعاله ليست معللة بالدواهي والأغراض واليهود إنما استقبلوا جهة المغرب واتخذوها قبلة اتباعاً لهوى أنفسهم حيث زعموا أن موسى عليه السلام كان في جانب المغرب فأكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه كما قال الله تعالى :﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الامْرَ﴾ (القصص : ٤٤) والنصارى أيضاً اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعاً لهواهم حيث زعموا أن مريم عليها السلام حين خرجت من بلدها مالت إلى جانب المشرق كما قال الله تعالى :﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَـابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ (مريم : ١٦) والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعةتعالى وامتثالاً لأمره لا ترجيحاً لبعض الجهات المتساوية بمجرد رأيهم واجتهادهم مع أنها قبلة خليل الله تعالى ومولد حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو التوجه إلى بيت المقدس تارة والكعبة أخرى ووجه استقامته كونه مشتملاً على الحكمة والمصلحة موافقاً لهما.
قال بعض أرباب الحقيقة : سمى الطاغين من اليهود والمشركين والمنافقين سفهاء لاحتجاب عقولهم عن حقية دين الإسلام ولو أدركوا الحق مطلقاً لأخلصوه كما أخلص المؤمنون فلم تبقَ محاجتهم معهم ولو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات وأنكروا التحويل لأنهم كانوا معتدين بالجهة فلم يعرفوا التوحيد الوافي بالجهات كلها.
قال المولى الجامي :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٦
جهان مرآت حسن شاهد ماست
فشاهد وجهه في كل ذرات
﴿وَكَذَالِكَ﴾ إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة أي : كما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم ﴿جَعَلْنَـاكُمْ﴾ توحيد الخطاب في كذلك مع القصد إلى المؤمنين لما أن المراد مجرد الفرق بين
٢٤٧


الصفحة التالية
Icon