الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي : خياراً لأن الأوساط محمية محوطة والأطراف يتسارع إليها الخلل ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ أي : محمد صلى الله عليه وسلّم ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
إن قلت : إن الشاهد إذا أضر بشهادته عديت الشهادة بكلمة على وإذا نفع بها تعدى باللام فيقال شهد له والرسول عليه السلام لما زكى أمته وعدلهم بشهادته انتفعوا بها فالظاهر أن يقال ويكون الرسول لكم شهيداً بخلاف شهادة الأمة على الناس فإنها شهادة عليهم حيث استضروا بها فكلمة على فيها واقعة في موضعها.
قلت : هذا مبني على تضمين الشهيد معنى الرقيب والمطلع فعدى تعديته والوجه في اعتبار تضمين الشهيد الإشارة إلى أن التعديل والتزكية إنما يكون عن خبرة ومراقبة بحال الشاهد فإذا شاهد منه الرشد والصلاح عدله وزكاه وأثنى عليه وإلا يسكت عنه وقدمت صلة الشهادة أي : عليكم لاختصاصهم بشهادته صلى الله عليه وسلّم على سبيل التزكية والتعديل وهو لا ينافي شهادته صلى الله عليه وسلّم للأنبياء بالتبليغ وعلى منكري التبليغ بالتكذيب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٦
ـ روي ـ أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم ألم يأتكم نذير؟ فينكرون فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير؟ فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة للحجة فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلّم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية : من أين علموا وإنهم أتوا بعدنا فيسأل هذه الأمة فيقولون : أرسلت إلينا رسولاً وأنزلت علينا كتاباً أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت ثم يؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم فيؤمر بالكفار إلى النار.
قال بعض أرباب الحقيقة : معنى شهادتهم على الناس اطلاعهم بنور التوحيد على حقوق الأديان ومعرفتهم لحق كل دين وحق كل ذي دين من دينه وباطلهم الذي ليس حقهم الذي هو مخترعات نفوسهم وطريق الحق واحد فمن تحقق بحق دين تحقق بحق سائر الأديان وخاصة دين الإسلام الذي هو الحق الأعظم ومعنى شهادة الرسول عليهم اطلاعه على رتبة كل متدين بدينه وحقيقته التي هو عليها من دينه وحجابه الذي هو به محجوب عن كمال دينه فهو يعرف ذنوبهم وحقيقة إيمانهم وأعمالهم وحسناتهم وسيئاتهم وإخلاصهم ونفاقهم وغير ذلك بنور الحق وأمته يعرفون ذلك من سائر الأمم بنوره عليه الصلاة والسلام.
قال بعضهم : جعلنا سبحانه وتعالى آخر الأمم تشريفاً لحبيبه وأمته لأنه لو قدمنا لاحتجنا أن ننتظر في قبورنا قدوم الأمم الماضية فجعلهم سبحانه وتعالى في انتظارنا تشريفاً لنا وأيضاً جعلنا آخر الأمم لنكون يوم القيامة شهداء على جميع الأمم الماضية ويكفي شرفاً لهذه الأمة المرحومة ما قال صلى الله عليه وسلّم في حق علمائهم "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وذكر الراغب الأصفهاني في "المحاضرات" : أنه قال الإمام الشاذلي صاحب حزب البحر : اضطجعت في المسجد الأقصى فرأيت في المنام قد نصب تخت خارج الأقصى في وسط الحرم فدخل خلق كثير أفواجاً أفواجاً فقلت : ما هذا الجمع؟ فقالوا : جمع الأنبياء والرسل قد حضروا ليشفعوا في حسين الحلاج عند محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لإساءة أدب وقعت منه فنظرت إلى التخت فإذا
٢٤٨
نبينا محمد عليه السلام جالس عليه بانفراده وجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الأرض جالسون مثل إبراهيم وموسى وعيسى ونوح فوقفت أنظر وأسمع كلامهم فخاطب موسى نبينا عليه الصلاة والسلام وقال له : إنك قلت علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فأرنا منهم واحداً فقال : هذا وأشار إلى الإمام الغزالي فسأله موسى سؤالاً فأجابه بعشرة أجوبة فاعترض عليه موسى بأن السؤال ينبغي أن يطابق الجواب والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الإمام هذا الاعتراض وارد عليك أيضاً حين سئلت وما تلك بيمينك يا موسى وكان الجواب عصاي فعددت صفات كثيرة قال : فبينما أنا متفكر في جلالة قدر محمد عليه السلام وكونه جالساً على التخت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الأرض إذ رفسني شخص برجله رفسة مزعجة فانتبهت فإذا بقيم ثم غاب عني فلم أجده إلى يومي هذا ومن هذا قال :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٦
فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف


الصفحة التالية
Icon