وانسب إلى قدره ما شئت من عظم اللهم يسر لنا شفاعته.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ مفعول أول لجعلنا ﴿الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ مفعول ثان له بتقدير موصوف أي : لجهة التي كنت عليها وهي الكعبة لأنه عليه السلام كان مأموراً بأن يصلي إلى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة ببيت المقدس التي منها يصعد الملائكة إلى السماء ثم أعيد إلى ما كان عليه أولاً والمعنى ما رددناك إلى ما كنت عليه أي : على استقباله والتوجه إليه وما جعلنا ذلك لشيء من الأشياء ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في التوجه إلى ما أمر به ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ﴾ أي : ينصرف ويرجع ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ العقب مؤخر القدم والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق إلى الباطل ومعنى لنعلم ليظهر علمنا على مظاهر الرسول والمؤمنين ويتميز عندهم الثابت على الإسلام الصادق فيه من المتردد الذي يرتد بأدنى سبب لقلته وضعف إيمانه لا أنه لم يعلم حالهم فعلم لأنه تعالى كان عالماً في الأزل بهم وبكل حال من أحوالهم التي تقع في كل زمان من أزمنة وجودهم مقارنة للزمان الذي تقع فيه تلك الحال وكل من يعلم شيئاً فإنما يعلم بأن يظهر ذلك العلم فيه ويقرب من هذا ما قيل المعنى ليعلم رسول الله والمؤمنون وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده هذا هو المعنى الذي اختاره القاشاني في تأويلاته وزيف ما عداه والعلم في قوله لنعلم بمعنى المعرفة أي : لنعرف الذي يتبع الرسول فلا يحتاج إلى مفعول ثان.
فإن قيل إن الله لا يوصف بالمعرفة فلا يقال الله عارف فكيف يكون العلم بمعنى المعرفة هنا.
قلت : إنما لا يوصف بها إذا كانت بمعناها المشهور وهو الإدراك المسبوق بالعدم وأما إذا كانت بمعنى الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين فيجوز أن يوصف الله بها وقوله ممن ينقلب حال من فاعل يتبع أي : متميزاً منه ﴿وَإِن كَانَتْ﴾ أي : القبلة المحولة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي : شاقة ثقيلة على من يألف التوجه إلى القبلة المنسوخة فإن الإنسان ألوف لما يتعوده يثقل عليه الانتقال منه وإن هي المخففة من المثقلة واسمها محذوف وهو القبلة واللام هي الفارقة بينها وبين الناقة كما في قوله تعالى :﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ (الإسراء : ١٠٨) ﴿إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي : هداهم إلى حكمة الإحكام وأرشدهم وعرفهم أن ما كلفه عباده متضمن لحكمة لا محالة وإن لم يهتدوا إلى خصوصية تلك الحكمة بعينها فتيقنوا بذلك أن السعيد الفائز من أطاع ربه
٢٤٩
الحكيم وأن الشقي الخاسر من عصى ربه العليم ثم بين أنهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وأن ذلك غير ضائع منهم فقال :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ مريداً ﴿لِيُضِيعَ إِيمَـانَكُمْ﴾ أي : ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبي عليه السلام من غير أن ترتابوا في شيء من ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ﴾ متعلق برؤوف ﴿لَرَءُوفٌ﴾ أي : ذو مرحمة عظيمة لهم حيث نقلهم برحمته من ذلك إلى هذا وهو أصح لهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم بالإيمان وإيصال الرزق، قال السعدي :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٦
فروماند كانرا برحمت قريب
تضرع كنانرا بدعوت مجيب
ـ روي ـ أنه أخذ بعض أمراء الكفار وكان جائراً قاتلاً في زمن داود عليه السلام فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس إلى منازلهم وبقي هذا على الخشبة وحده وتضرع إلى آلهته فلم يغنوا عنه شيئاً ثم رجع إلى الله وقال : أنت الله الحق أتيت إليك لتغيثني برحمتك قال تعالى : يا جبريل إن هذا عبد آلهته طويلاً فلم ينتفع ففزع إلي ودعاني فاستجبت له فأهبط إلى الأرض وضعه على الأرض في سلامة وعافية ففعل فلما أصبحوا رأوه وهو حي يصليتعالى فأخبروا داود بذلك فدعا الله فيه مستكشفاً سره فأوحى الله إليه يا داود إني أرحم من آمن بي ودعاني فإن لم أفعل فأي فرق بيني وبين آلهته.
واعلم أن جماعة قد ارتدوا عن الإسلام عند تحويل القبلة لتعلقهم بما سوى الله تعالى وعدم فنائهم في الله ورضاهم بما يجيء عليهم من القضاء فأخذتهم الكدرة كالسيل وأما الذين سعدوا سعادة أزلية فلم يتعلقوا في الحقيقة بيت المقدس ولا بالكعبة بل الرب الخالق لهما ولغيرهما وفنوا عن إرادتهم فجاءت إرادة الله لهم كالشهد المصفى فأخذهم السرور والصفا، قال الصائب :
مهياي فنارا ازعلايق نيست روايى
نيند يشد زخار آنكس كه دامان بركمر دارد