ذكر أن أبا القاسم الجنيد البغدادي لما رأوه في وادي الوله : ظنوا أنه مرض أو جنّ فجعلوه في دار الشفاء فزاره بعض من يدعي حبه فقال لهم : من أنتم؟ فقالوا : نحن أحباؤك فرماهم بالأحجار ففروا من عنده وقالوا : قد غلب عليه الجنون فقال : تدعون الحب بأقوالكم وقد يكذبها أفعالكم فالمحب من أسره ما أصابه من الحبيب فلذلك قد عد أشد البلاء عند الأنبياء والأولياء ألذ من الحلوى فاكتسبوا حلل التسليم والاصطبار وغاصوا في لجج المكاشفات والمشاهدات واشتغلوا مع الجنان واللسان بالتوحيد وذكر الملك المنان حتى عدوا الالتفات إلى غيره ولو بأكل لقمة من الموانع فلذلك ارتقوا في الفناء والبقاء إلى غاية المبتغى ولما قال موسى عليه السلام : رب أرني أنظر إليك قال : يا موسى تراني في البساط الفاني اصبر حتى أجعله باقياً حتى تراني يا موسى رعيت غنم شعيب عشر سنين أتريد أن تراني بعبادة أربعين يوماً ثم اصطفاه وأعطاه ما أعطاه فلما رجع إلى قومه رأى في الطريق الجبل الأعلى فسأل عنه متعجباً فقال الجبل : يا موسى كنت ترعى الغنم فيّ وعلى رأسك قلنسوة وفي يدك عصا فالله الذي اصطفاك برسالاته وبكلامه لقد جعلني الأعلى بفضله وإنعامه اللهم اجعلنا على صراطك المستقيم واتباع رسولك الكريم واهدنا التوجه إلى كعبة ذاتك والانجذاب إليك والوصول إلى مشاهدتك.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤٦
﴿قَدْ﴾ لفظ قد في المضارع للتقليل وقد استعمل ههنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين في الضدية ﴿نَرَى﴾ مستقبل لفظاً ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لأنها رأس القصة والمعنى
٢٥٠
شاهدنا وعلمنا ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ أي : تردد وجهك في تصرف نظرك ﴿فِي السَّمَآءِ﴾ أي : في جهتها تطلعاً للوحي وكان عليه السلام يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان من حيث أنها كانت مفخرة لهم وأمناً ومزاراً ومطافاً ولمخالفة اليهود فإنهم كانوا يقولون : إنه يخالفنا في ديننا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم حتى روي أنه صلى الله عليه وسلّم قال لجبريل "وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها" فقال له جبريل : أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادعُ ربك وسله ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه فأنزل الله هذه الآية وأول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت إلى خمس للتخفف ثم تحويل القبلة إلى بيت المقدس بمكة امتحاناً للمشركين بعد أن كان للمصلي أن يتوجه حيث شاء لقوله تعالى :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ثم تحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة بالمدينة امتحاناً لليهود كذا في "تفسير الفاتحة" للمولى الفناري ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٠


الصفحة التالية
Icon