أي : فوالله لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا أي : صيرته والياً له وولي الرجل ولاية أي : تمكن منه أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس من وليه ولياً أي : قربه ودنا منه وأوليته إياه ووليته أي : أدنيته منه ﴿تَرْضَـاهَا﴾ مجاز عن المحبة والاشتياق لأنه عليه السلام لم يكن ساخطاً للتوجه إلى بيت المقدس كارهاً له غير راض أي : تحبها وتتشوق إليها لا لهوى النفس والشهوة الطبيعية بل لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي : اصرف وجهك أي : اجعل وجهك بحيث يلي شطره ونحوه والمراد بالوجه ههنا جملة البدن لأن الواجب على المكلف أن يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر التنبيه على أنه الأصل المتبوع في التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام هو المسجد الأكبر الذي فيه الكعبة والحرام المحرم أي : المحرم فيه القتال أو الممنوع من الظلمة أن يتعرضوا له وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة باتفاق بين الحنفية والشافعية لأن استقبال عينها للبعيد متعذر وفيه حرج عظيم بخلاف القريب ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ أي : في أي : موضع كنتم من الأرض من بحر أو بر شرق أو غرب وأردتم الصلاة ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فإنه القبلة إلى نفخ الصور أمر لجميع المؤمنين بذلك بعدما أمر به النبي عليه السلام تصريحاً بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد حثاً للأمة على المتابعة ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ﴾ من فريقي اليهود والنصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي : التحويل إلى الكعبة ﴿الْحَقِّ﴾ أي : الثابت كائناً ﴿مِّنْ رَّبِّهِ﴾ لما أن المسطور في كتبهم أنه عليه السلام يصلي إلى القبلتين بتحويل القبلة إلى الكعبة بعدما كان يصلي إلى بيت المقدس ومعنى من ربهم أي : من قبله تعالى لا شيء ابتدعه الرسول صلى الله عليه وسلّم من قبل نفسه فإنهم كانوا يزعمون أنه من تلقاء نفسه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ خطاب للمسلمين واليهود جميعاً على التغليب فيكون وعداً للمسلمين بالإثابة وجزيل الجزاء ووعيداً وتهديداً لليهود على عنادهم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٠
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ﴾ برهان
٢٥١
قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ عناداً ومكابرة وهذا في حق قوم معينين علم الله أنهم لا يؤمنون فإن منهم من آمن وتبع القبلة ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حسم لأطماعهم إذ كانوا تناجوا في ذلك وقالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فإن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلب كل فريق فيما هو فيه فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ جمع هوى وهو الإرادة والمحبة أي : ولئن وافقتهم في مراداتهم بأن صليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصاً على إيمانهم ﴿مِّنا بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي : من بعد ما علمت بالوحي القاطع أن قبلة الله هي الكعبة ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء توسطت بين اسم إن وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة ﴿لَّمِنَ الظَّـالِمِينَ﴾ أي : المرتكبين الظلم الفاحش وهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والإلهاب للثبات على الحق.
وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فإن من ليس من شأنه ذلك إذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام في سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك، قال في "المثنوي" :
تازه كن إيمان نه از كفت زبان
أي : هوارا تازه كرده در نهان
تاهوا تازه است إيمان تازه نيست
كين هوا جز قفل آن دروازه نيست
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٠


الصفحة التالية
Icon