﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ﴾ إيتاء فهم ودراسة وهم الأحبار ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي : الرسول صلى الله عليه وسلّم ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ أي : يعرفونه صلى الله عليه وسلّم بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم لا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤهم وتخصيصهم بالذكر دون ما يعم البنات لكون الذكور أشهر وأعرف عندهم منهن وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق.
فإن قيل : لِمَ لم يقل كما يعرفون أنفسهم؟ مع أن معرفة الشخص نفسه أقرب إليه من معرفة سائر الأشياء : فالجواب ما قال الراغب : لأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره ويعرف ولده من حين وجوده ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾ هم الذين كابروا وعاندوا الحق ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأن الكعبة قبلة الله والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يظهرون الحق ولا يكتمونه وأما الجهلة منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما في تضاعيفه فما هم بصدد الإظهار ولا بصدد الكتم وإنما كفرهم على وجه التقليد.
﴿الْحَقِّ﴾ الذي أنت عليه يا محمد ﴿مِن رَّبِّكَ﴾ خبر لقوله الحق ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي : الشاكين في كون الحق من ربك هذا خطاب له صلى الله عليه وسلّم والمقصود خطاب أمته ونهيهم عن الامتراء ومعنى نهي الأمة عن الامتراء أمرهم بضده الذي هو اليقين وطمأنينة القلب.
قال القشيري حملهم مستكنات الحسد وسوء الاختيار على مكابرة ما علموا بالاضطرار وكذلك المغمور في ظلمات نفسه يلقي جلباب الحياء فلا ينجع فيه ملام ولا يرده عن انهماكه كلام.
قال حضرة الشيخ الشهير بافتادة أفندي : عندنا ثلاث مراتب :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٢
إحداها : مرتبة التقليد
٢٥٢
وهي لعامة الناس.
والثانية : مرتبة التحقيق والإيقان وهي للمجتهدين كالأئمة الأربعة ومن يحذو حذوهم.
والثالثة : مرتبة المشاهدة والعيان فهي للكمل من أهل السلوك قال : وإذا لم تتطهر النفس من الأخلاق الرديئة لا تحصل المعارف الإلهية وإن كان كاملاً في العقل والعلوم ألا يرى أن الشيطان مع عقله وعلمه كيف استكبر وعصى أمر الله تعالى لما في نفسه من الكبر والحسد وكذلك حال أهل الكتاب في أمر القبلة وشأن النبي صلى الله عليه وسلّم حيث لم ينفع العلم والمعرفة لخبث باطنهم فلا بد من تزكية النفوس وتصفية القلوب والاستقامة في باب الحق إلى أن يأتي اليقين.
ـ حكي ـ أن يونس خدم شيخه طبق أمره ثلاثين سنة بالصدق حتى تورم ظهره من نقل الحطب فلم يظهر وكان شيخه نظر له فثقل ذلك على سائر الطالبين وقالوا : إنه يخدم الشيخ على محبة بنته حتى تكلموا في ذلك الشيخ فلما أتى بالحطب قال شيخه : نعم الحطب المستقيم يا يونس فقال : إن غير المستقيم لا يليق بهذا الباب وما تكلموا في حقه ليس على وجه النفاق بل لما رأوا أنهم لا يتحملون ما يتحمل يونس أشكل عليهم الأمر فحملوه على حب البنت وسؤال الشيخ أيضاً وجواب يونس بهذا الوجه إنما كان لإرشادهم وإزالة شبههم وإلا فالشيخ كان يعرف أحوال يونس ولم يحصل له سوء ظنّ من كلامهم لأن من كان مرشداً لا يعرف حال المريد بكلام الغير في المدح والذم ثم زوج الشيخ بنته له وقال حتى لا يكون الإخوان كاذبين ولا يحصل لهم الخجالة وكانت البنت متى قرأت القرآن يقف الماء فلم يمسها يونس إلى آخر عمره وقال : أنا لا أليق بها فللسالك في مرتبة الطبيعة أن يترك مقتضاها ويقتصر على قدر الكفاية من الأكل والشرب ولا يتقيد بتدارك ما تشتهيه طبيعته فإن الخير في مخالفتها ومن تربية النفس أن يجتنب عن حب الأموال والأولاد فإنهما فتنة ومعينان لها على كبرها بكثرتهما وأكثر الأنفس لا تحب صرفها بل تدخرها ليزداد استكبارها وقد قال تعالى :﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء : ٨٩) فما دام لم تصلح الطبيعة والنفس لا يصل الطالب إلى مطلوبه ففي الحج إشارة إلى ذلك فإن قاصد البيت المكرم يترك استراحة بدنه ويبذل ماله إلى أن يصل إلى مشاهدته فكذلك قاصد رب البيت يفنى عن جميع ما سواه ويكون في توجهه وحدانياً هيولانياً حتى يشاهد ببصيرته ما يشاهد فالصلاة مستقبلاً إلى شطر المسجد الحرام عين التوجه إلى الذات الأحدية لأن الكعبة مثال صوري لحضرته تعالى وإن المراد من الاستقبال إليها الإقبال إليه تعالى مع أنه لا يتقيد التوجه حقيقة لكن الاستقبال صورة رعاية للأدب ودور مع الأمر الإلهي فإنتعالى في كل شيء حكمة ومصلحة ومن تخلص من القيود وانجذب إلى الرب المعبود فقد تجلى له قوله :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة : ١١٥) وظهر له سر الظاهر والمظهر :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٢
عاشقي ديد از دل ر تاب
حضرت حق تعالى اندر خواب
دامنش را كرفت آن غمخور
كه ندارم من از تو دست دكر
ون بر آمدز خواب خوش درويش