﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ عطف على قولهم أي عاقبنا اليهود بسبب كذا وكذا وبسبب كفرهم بعيسى أيضاً ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَـانًا عَظِيمًا﴾ يعني : نسبتها إلى الزنى وبهتاناً منصوب على أنه مفعول به نحو قال شعراً أو على المصدر الدال على النوع نحو جلست جلسة فإن القول قد يكون بهتاناً ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وصفهم له عليه الصلاة والسلام برسول الله إنما هو بطريق الاستهزاء به كما في قوله تعالى : يا اأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} (الحجر : ٦) فإنهم على عداوته وقتله فكيف يقولون في حقه إنه رسول الله ونظم قولهم هذا في سلك سائر جناياتهم ليس لمجرد كونه كذباً بل لتضمنه لابتهاجم وفرحهم بقتل النبي والاستهزاء به ﴿وَمَآ﴾ أي : والحال أنهم ما ﴿قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـاكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي : وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول فالفعل مسنداً إلي الجار والمجرور نحو خيل إليه وليس عليه.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٧
ـ روي ـ أن رهطاً من اليهود سبوه بأن قالوا هو الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه فلما سمع عليه الصلاة والسلام ذلك دعا عليهم فقال :(اللهم أنت ربي وأنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي اللهم فالعن من سبني وسب أمي) فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبوه وسبوا أمه قردة وخنازير فلما رأى ذلك يهودا رأس القوم وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته عليه أيضاً فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام فبعث الله تعالى جبريل فأخبره بأنه يرفعه إلى السماء فقال لأصحابه أيكم يرضى بأن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب.
وقيل : كان رجل ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى فرفع عليه السلام وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى وقيل أن ططيانوس اليهودي دخل بيتاً كان هو فيه فلم يجده فألقى الله تعالى شبهه عليه فلما خرج ظنوا أنه عيسى فأخذ وقتل ثم صلب وأمثال هذه الخوارق لا يستبعد في عصر النبوة.
وقال كثير من المتكلمين : إن اليهود لما قصدوا قتلة رفعه الله إلى السماء
٣١٧
فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه هو المسيح والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلا بالاسم لما كان قليل المخالطة مع الناس فبهذا الطريق اندفع ما يقال إذا جاز أن يقال أن الله تعالى يلقي شبه إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة حيث يجوز أن يقال إذا رأينا زيداً لعله ليس بزيد ولكنه شخص آخر ألقى شبه زيد عليه وعند ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقاً به.
لا يقال إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولاً لأنا نقول أن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب كذا في "تفسير الإمام الرازي" ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي : في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس.
فقال بعضهم إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا فإن الله تعالى لما ألقى شبه عيسى على المقتول ألقاه على وجهه دون جسده وقال من سمع منه أن الله يرفعني إلى السماء أنه رفع إلى السماء.
وقيل : إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى فقال قوم منهم : إنه ما قتل وما صلب بل رفعه الله إلى السماء.
وقال قوم منهم : إن اليهود قتلوه فزعمت النسطورية أن المسيح صلب من جهة ناسوته أي جسمه وهيكله المحسوس لا من جهة لاهوته أي نفسه وروحه.
وأكثر الحكماء يختارون ما يقرب من هذا القول قالوا : لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم لطيف في هذا البدن وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن والقتل إنما ورد على هذا الهيكل وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى فالقتل ما ورد عليها، لا يقال كل إنسان كذلك فما وجه التخصيص، لأنا نقول : إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الإشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ثم أنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فتعظم بهجتها وسعادتها هناك ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس وإنما تحصل لأشخاص قليلين من مبدأ خلق آدم إلى قيام الساعة.
وزعمت الملكانية من النصارى أن القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.
وزعمت اليعقوبية منهم أن القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٧


الصفحة التالية
Icon