واعلم أن الغلو والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حده غير مرضي كما أن كثيراً من هذه الأمة غلواً في مذهبهم فمن ذلك الغلاة من الشيعة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حتى ادعوا إلهيته وكذلك المعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الله وكذا المشبهة غلواً في إثبات الصفات حتى جسموه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم" أي لا تتجاوزوا عن الحد في مدحي كما بالغ النصارى في مدح عيسى حتى ضلوا وقالوا إنه ولد الله "وقولوا عبد الله
٣٢٧
ورسوله" أي : قولوا في حقي إنه عبد الله ورسوله وفي تقديم العبد على الرسول كما في التحيات أيضاً نفي لقول اليهود والنصارى فإن اليهود قالوا عزيز ابن الله والنصارى المسيح ابن الله فنحن نقول عبده ورسوله والغلو من العصبية وهي من صفات النفس المذمومة والنفس هي أمارة بالسوء لا تأمر إلا بالباطل :
مبر طاعت نفس شهوت رست
كه هر ساعتش قبله ديكرست
﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ أي لا تصفوه بما يستحيل اتصافه من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك.
قوله إلا الحق استثناء مفرغ ونصبه على أنه مفعول به نحو قلت خطبة أو نعت مصدر محذوف أي إلا القول الحق وهو قريب من المعنى الأول ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ مبتدأ وهو لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله بالعبرية مشيحاً ومعناه المبارك ﴿عِيسَى﴾ بدل منه معرب من إيشوع ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة مفيدة لبطلان ما وصفوه به من نبوته له تعالى.
ومريم بمعنى العابدة وسميت مريم مريم ليكون فعلها مطابقاً لاسمها ولكون عيسى عليه السلام منسوباً إلى أمه تدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم ويدل عليه حديث التلقين بعد الدفن حيث يقال : يا فلان ابن فلانة وفي النسبة إلى الأمهات ستر منه تعالى للعباد أيضاً ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خبر للمبتدأ أي أنه مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها وهذا هو القول الحق ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عطف على رسول الله أي تكون بكلمته وأمره الذي هو كن من غير واسطة أب ولا نطقة.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٢٧
فإن تكوين الخلق كله وإن كان بكلمة كن له ولكن بالوسائط فإن تعلق كن بتكوين الآباء قبل تعلقه بتكوين الأبناء فلما كان تعلق أمركن بعيسى في رحم مريم من غير تعلقه بتكوين أب له تكون عيسى بكلمة كن وكن هي كلمة الله فعبر عن ذلك بقوله وكلمته ألقاها إلى مريم يدل عليه قوله أنه مثل عيسى عند الله يعني في التكوين كمثل آدم خلقه من تراب يعني سوى جسمه من تراب ثم قال له يعني عند بعث روحه إلى القالب كن فيكون وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين لأنه أيضاً تكون بكلمة كن من غير واسطة أب ﴿أَلْقَـاهَآ إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ حبريل عليه السلام ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ عطف على كلمته ومنه صفة لروح ومن لابتداء الغاية مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى لاستحالة التجزي على الله تعالى.
ـ وروي ـ أنه كان لهارون الرشيد طبيب نصراني وكان غلاماً حسن الوجه جداً وكان كامل الأدب جامعاً للخطاب التي يتوصل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعاً بأن يسلم وهو يمتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني أن أسلم فأبى فقال له ذات يوم : مالك لا تؤمن؟ قال : إن في كتابكم حجة على من انتحله قال : وما هي قال : قوله تعالى :﴿وَكَلِمَتُه أَلْقَـاهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فعنى بهذا أن عيسى عليه السلام جزء منه فضاق قلب الرشيد وجمع العلماء فلم يكن فيهم من يزيل شبهته حتى قيل له : قد وفد حجاج من خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو وهو إمام في علم القرآن فدعاه فجمع بينه وبين الغلام فسأله الغلام عن ذلك فاستعجم عليه الجواب في الوقت وقال : قد علم الله يا أمير المؤمنين في سابق علمه أن هذا الخبيث يسألني في مجلسك هذا وأنه لم يخل كتابه
٣٢٨