ـ حكي ـ أن ولياً يقال له سكرى بابا يكون له في بعض الأوقات استغراق أياماً حتى يظنونه ميتاً ويضعون على فمه فداما فانتبه يوماً فأراد أن يطلق زوجته ويترك أولاده وقال : كنت في مجلس النبي عليه السلام في الملكوت مع الأرواح وكان النبي عليه السلام يفسر قوله تعالى :﴿وَإِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ يتكلم في مراتب التوحيد على كرسي قوائمه أربع من الأنوار الأربعة على حسب المراتب الأربع أي من النور الأسود في مرتبة الطبيعة ومن النور الأحمر في مرتبة النفس ومن النور الأخضر في مرتبة الروح ومن النور الأبيض في مرتبة السر فقيل لي في العرش ارسلوا سكرى باباً فإن أولاده يبكون فلأجل ذلك أريد أن أترك الكل فتضرعوا وحلفوا بأن لا يفعلوا مثل ذلك أبداً ففرع ووجه التسمية بذلك أنه كان يعطي سكراً لكل من يطلبه منه حتى طلبوا في الحمام امتحاناً له فضرب برجله رحام الحمام قال : خذوه فانقلب سكراً فاعتقدوه وزالت شبهتهم، قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي : الملكوت ليس في الفوق بل الملك والملكوت عندك هنا فإن الله تعالى منزه عن الزمان والمكان والذهاب والاياب وهو معكم أينما كنتم فللسالك مرتبة ينظر فيها إلى الله وإلى الحق ويسمى تلك بالمعية ثم بعد ذلك إذا وصل إلى الفناء الكلي واضمحل وجوده يسمى ذلك بمقام الجمع ففي ذلك المقام لا يرى السالك ما سوى الله تعالى كمن أحاطه نور لا يرى الظلمة ألا يرى أن من نظر إلى الشمس لا يرى غيرها وتلك الرؤية ليس بحاسة البصر ولا كرؤية الأجسام بل كما ذكر العلماء وكمل الأولياء والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين والموحد إذا كان موحداً يوصله التوحيد إلى الملكوت والجبروت واللاهوت أعني الموحد يتخلص من الإثنينية ومن التقيد بالأكوان والأجسام والأرواح فيشاهد عند ذلك سر قوله تعالى :﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ (النساء : ١٧١) اللهم اجعلنا من الواصلين.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٢٧
﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ﴾ في "أساس البلاغة" استنكف منه ونكف امتنع وانقبض آنفاً وحمية ﴿أَن يَكُونَ عَبْدًا﴾ أي من أن يكون عبداً له تعالى فإن عبوديته شرف يتباهى بها وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره.
ـ روي ـ أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم لم تعيب صاحبنا؟ قال :"ومن صاحبكم" قالوا : عيسى قال :"وأي شيء أقول" قالوا : تقول إنه عبد الله قال :"إنه ليس بعار أن يكون عبد الله" قالوا : بلى بعار فنزلت ﴿وَلا الملائكة الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطف على المسيح أي ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً والمراد بهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ﴾ أي : يترفع ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي عن طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى :﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وإنما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون باستحقاق ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ﴾ أي : فسيجمعهم
٣٣١
إليه يوم القيامة ﴿جَمِيعًا﴾ المستنكف والمستكبر والمقر والمطيع فيجازيهم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي ثواب أعمالهم من غير أن ينقص منها شيئاً أصلاً ﴿وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ بتضعيفها أضعافاً مضاعفة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا﴾
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣١
أي عن عبادته تعالى :﴿وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ بسبب استنكافهم واستكبارهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وجيعاً لا يحيط به الوصف ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره تعالى ﴿وَلِيًّا﴾ يلي أمورهم ويدبر مصالحهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ بنصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه.
واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام وقال مساقه لرد النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف وهو ولا الملائكة المقربون أعلى درجة من المعطوف عليه وهو المسيح حتى يكون عدم استنكافهم مستلزماً لعدم استنكافه عليه السلام.
وأجيب بأن مناط كفر النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه عليه السلام وامتيازه عن سائر أفراد البشر بالولادة من غير أب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع إلى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته عدم استنكاف من هو أعلى درجة منه فيما ذكر فإن الملائكة مخلوقون من غير أب ولا أم وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقامهم السموات العلي ولا نزاع لأحد في علو درجتهم من هذه الحيثية وإنما النزاع في علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات كذا في "الإرشاد".