﴿وَءَاخَرُونَ﴾ أي : ومن أهل المدينة قوم آخرون.
﴿اعْتَرَفُوا﴾ أقروا ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ التي هي تخلفهم عن العفو وإيثار الدعة عليه والرضى بسوء جوار المنافقين وندموا على ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة، وهم طائفة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد عندما بلغهم ما نزل في المتخلفين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم من سفره فدخل المسجد أولاً فصلى ركعتين حسب عادته الكريمة ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقالوا هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله وأقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقهم فقال عليه السلام :"وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم" فنزلت فأطلقهم وأعذرهم.
﴿خَلَطُوا عَمَلا صَـالِحًا﴾ هو ما سبق منهم من الأعمال الصالحة والخروج إلى المغازي السابق وما لحق من الاعتراف بذنوبهم في التخلف عن هذه المرة وتذممهم وندامتهم على ذلك.
﴿وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ هو ما صدر عنهم من الأعمال السيئة أولاً وآخراً فيدخل فيه التخلف عن غزو تبوك وتبديل الواو بالباء حيث لم يقل بآخر يؤذن بكون كل منهما مخلوطاً به، وهو أبلغ فإن قولك خلطت الماء باللبن يقتضي إيراد الماء على اللبن دون العكس وقولك خلطت الماء واللبن معناه إيقاع الخلط بينهما من غير دلالة على اختصاص أحدهما بكونه مخلوطاً والآخر بكونه مخلوطاً به.
قال الحدادي : يقال خرجوا إلى الجهاد مرة وتخلفوا مرة فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيء كما يقال خلط الدنانير والدراهم، أي جمعهما وخلط الماء واللبن أي أحدهما بآخر.
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أن يقبل توبتهم المفهومة من اعترافهم بذنوبهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يتجاوز عن سيئات التائب ويتفضل عليه وهو تعليل لما يفيده كلمة عسى من وجوب القبول فإنها للإطماع الذي هو من أكرم الأكرمين
٤٩٤
إيجاب وأي إيجاب.
قال أدى وإنما ذكر لفظ عسى ليكون الإنسان بين الطمع والإشفاق فيكون أبعد من الاتكال والإهمال.
ون بدى كناهرا دانى
كشدت جانب شيمانى
ورندانى كنا هراكه بدست
آن نشان شقاوت ابدست
اعلم أن بعض النفوس منافق وبعضها كافر وبعضها مؤمن فالمنافق منها كالصفة الحيوانية من الشهوات فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بحيث تنتزع عنها الشهوة، بل تكون مغلوبة والكافر منها كالصفة البهيمية في طلب الاغتذاء من طلب المأكول والمشروف، فإنها لا تتبدل بضدها وهو الاستغناء عن الأكل والشرب لحاجة الجسد إلى الغذاء بدل ما يتحلل من الجسد، والمؤمن منها كالصفة السبعية والشيطانية من الغضب والكبر والعداوة والخيانة فإنها تحتمل أن تتبدل بأضدادها من الحلم والتواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإسلام، وترشح نور الإيمان على القلب وانشراح الصدر بنور ربها وهذه الصفات وغيرها من صفات النفس إذا لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما جعل النبي عليه السلام الكذب والخيانة وخلف الوعد والغدر من النفاق فقال :"أربع من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه "مسلم إذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها".
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٩١
فعلى العاقل أن يجتهد بأحكام الشريعة وآداب الطريقة إلى أن يحصل الخلاص من النفاق بالكلية ثم إن الاعتراف بالخطيئة ميراث للمؤمن من أبيه آدم عليه السلام.
روي أنه بكى على ذنبه مائتي سنة حتى قبل الله توبته وغفر ذنبه ولذا قالوا ينبغي للتائب أن يكثر البكاء والتذلل عند التوبة ويصلي على النبي عليه السلام فإنه شفيع لكل نبي وولي ولذا توسل به آدم إلى الله تعالى، حيث قال : إلهي بحق محمد أن تغفر لي ويستغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات ومعنى الاستغفار سؤال العبد ربه أن يغفر له ذنوبه ومعنى مغفرته لذنوب عباده أن يسترها عليهم بفضله ولا يكشف أمورهم لخلقه ولا يهتك سترهم ومن شرط التوبة أن لا يتعمد ذنباً فإن وقع منه بسهو أو خطأ فهو معفو عنه بفضل الله تعالى.
قال الحافظ :
جايى كه برق عصيان بر آدم صفى زد
مارا كونه زيبد دعوى بى كناهى
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٩١