﴿خُذِ﴾ يا محمد ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي : من أموال هؤلاء المتخلفين المعترفين بذنوبهم.
﴿صَدَقَةٍ﴾ حال كونك.
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي : عما تلطخوا به من أوضار التخلف.
﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ أي : تنمى بتلك الصدقة وأخذها حسناتهم وترفعهم إلى مراتب المخلصين.
روي أنه لما حلهم النبي عليه السلام من وثاقهم وتاب الله عليهم راحوا إلى منازلهم وجاؤوا بأموالهم كلها، وقالوا يا رسول الله هذه أموالنا خلفتنا عنك خذها فتصدق بها عنا فكره النبي عليه السلام ذلك فنزلت هذه الآية فأخذ رسول الله ثلث أموالهم لتكمل به توبتهم ويكون جارياً مجرى الكفارة لتخلفهم فهذه الصدقة ليست الصدقة المفروضة فإنها
٤٩٥
لا تؤخذ هكذا.
وقيل : هذا كلام مبتدأ نزل لإيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء عليه وإن لم يتقدم ذكر لهم كقوله تعالى :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر : ١) لدلالة الحال على ذلك والمعنى : خذ من أموال أغنياء المسلمين صدقة أي زكاة وسميت بها لدلالتها على صدق العبد في العبودية وإليه ذهب أكثر الفقهاء.
قال في "الاختيار" : من امتنع عن أداء الزكاة أخذها الإمام كرهاً ووضعها موضعها لقوله تعالى :﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وفي "الأشباه" المعتمد في المذهب عدم الأخذ كرهاً.
قال في "المحيط" : ومن امتنع من أداء الزكاة فالساعي لا يأخذ منه كرهاً ولو أخذ لا يقع عن الزكاة لكونها بلا اختيار ولكن يجبره بالحبس ليؤدي بنفسه انتهى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٩٥
قال في "المبسوط" : وما يأخذ ظلمة زماننا من الصدقات والعشور والجزية والخراج والجبايات والمصادرات، فالأصح أن يسقط جميع ذلك عن أرباب الأموال إذا نووا عند الدفع التصدق عليهم وقيل : علم من يأخذه بما يأخذ شرط فالأحوط أن يعاد.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم بالخير والبركة واستغفر لهم ﴿إِنَّ صَلَواتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم فهو فعل بمعنى مفعول كالنقض بمعنى المنقوض.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ باعترافهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامتهم.
قال في "الكافي" : الصلاة على الميت مشروعة بقوله تعالى :﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَواتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ وقوله عليه السلام :"صلوا على كل بر وفاجر".
روي أن آدم عليه السلام لما توفي أتي بحنوط وكفن من الجنة ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب وحنطوه وتقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه.
وفي رواية : قال ولده شيث لجبريل عليه السلام صل عليه فقال له جبريل تقدم أنت فصل على أبيك فصلى عليه وكبر ثلاثين تكبيرة ثم أقبروه ثم لحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث الذي هو وصيه معهم فلما فرغوا قالوا له هكذا فاصنع بولدك وإخوتك فإنها سنتكم ومنه يعلم أن الغسل والتكفين والصلاة والدفن واللحد من الشرائع القديمة.
وقال بعضهم صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة ولا منافاة لأنه لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة أن تكون معروفة لقريش إذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك وفي كلام بعضهم كانوا في الجاهلية يغسلون موتاهم وكانوا يكفنونهم ويصلون عليهم وهو أن يقوم ولي الميت بعد أن يوضع على سريره فيذكر محاسنه كلها ويثني ثم يقول عليك رحمة الله ثم يدفن.
روي أن النبي عليه السلام لما قدم المدينة وجد البراء بن معرور رضي الله عنه قد مات فذهب رسول الله وأصحابه فصلى على قبره وكبر في صلاته أربعاً فصلاة الجنازة فرضت في السنة الأولى من الهجرة على ما قالوا ومن أنكر فرضية صلاة الجنازة كفر كما في "القنية".
وههنا أبحاث :
الأول : إن غسل الميت شريعة ماضية والنية لا تشترط لصحة الصلاة عليه وتحصيل طهارته وإنما هي شرط لإسقاط الفرض عن ذمة المكلفين، أي : بغسله فإن غسل الميت فرض كفاية فإذا تركوا أثموا فبنية الغسل يسقط الفرض عن ذمة الغاسل وغيره، فيقول : نويت الغسلتعالى وإنما يغسل الميت لأنه يتنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية إلا أنه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت في الماء فلا بد من غسله لأن الخطاب بالغسل توجه لبني آدم ولم يوجد منهم فعل.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٩٥
وقيل : إن الميت إذا فارقته الروح
٤٩٦
وارتاح من شدة النزع أنزل فوجب على الأحياء غسله كما في "أسئلة الحكم".


الصفحة التالية
Icon