يقول الفقير : فيه نظر ؛ لأنه إنما يجب الاغتسال بالمنى إذا كان بشهوة عند الحنفية ولم يوجد في الميت اللهم إلا أن يحمل على مذهب الشافعي فإن المني عنده كيفما كان يوجب الاغتسال حتى لو حمل حملاً ثقيلاً فخرج منه المنى يجب عنده وينبغي أن يكون المغسول مسلماً تام البدن أو أكثره وفي حكمه النصف مع الرأس، فلا يغسل الكافر والنصف بلا رأس، وأن يكون الغاسل يحل له النظر إلى المغسول فلو ماتت امرأة في السفر يممها ذو رحم محرم منها وإن لم يوجد لف أجنبي على يده خرقة ثم يممها، وإن ماتت أمة ييممها أجنبي بغير ثوب وكذا لو مات رجل بين النساء يممته ذات رحم محرم منه أو أومته بغير ثوب، ولو مات غير المشتهى أو المشتهاة غسله الرجل والمرأة وعن أبي يوسف أن الرضيعة يغسلها ذو الرحم وكره غيره ولا يغسل زوجته وتغسل زوجها إلا إذا ارتفعت الزوجية بوجه.
ويستحب أن يكون الغاسل أقرب إلى الميت فإن لم يعلم فأهل الورع والأمانة وأن يوضع الميت عند الغسل بموضع خال من الناس مستور عنهم لا يدخله إلا الغاسل ومن يعينه كما في "السيرة الحلبية" ولو اختلط موتى المسلمين وموتى الكفار، فمن كانت عليه علامة المسلمين صلى عليه، ومن كانت عليه علامة الكفار ترك ومن لم يكن عليه علامة والمسلمون أكثر غسلوا وكفنوا وصلى عليهم وينوون بالصلاة والدعاء للمسلمين دون الكفار ويدفنون في مقابر المسلمين وإن كان الفريقان سواء أو كانت الكفار أكثر لم يصل عليهم ويغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر المشركين ومن استهل بعد الولادة غسل وسمي وصلي عليه وإلا غسل في المختار وأدرج في خرقة ولا يصلى عليه ولو مات لمسلم قريب كافر غسله غسل النجاسة ولفه في خرقة وألقاه في حفرة أو دفعه إلى أهل دينه.
قال القهستاني : لا يجب غسل كافر أصلاً وإنما يباح غسل كافر غير حربي له ولي مسلم كما في "الجلابي".
والشهيد لا يغسل ويغسل الشهيد الجنب عنده خلافاً لهما وإذا انقطع الحيض والنفاس فاستشهدت فعلى هذا الخلاف وإذا استشهدت قبل الانقطاع تغسل على الأصح ولو مات بغير قتل ولو في المعركة غسل، ولو قتل برجم أو قصاص أو تعزير أو افتراس سبع أو سقوط بناء أو غرق أو طلق أو نحوها غسل بلا خلاف كما لو قتل لبغي أو قطع طريق غسل في رواية ولا يصلى عليه في ظاهر الرواية، وعند أبي حنيفة في الصلاة على المصلوب روايتان ولو قتل نفسه خطأ يصلى عليه بلا خلاف ولو تعمد فالأصح لا يصلى عليه لأنه لا توبة له والصلاة شفاعة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٩٥
والثاني : إن الصلاة على الميت فرض كفاية عند العامة ووقتها وقت حضوره ولذا قدمت على سنة المغرب كما في "الخزانة" وفي الحديث :"أسرعوا بالجنازة" وأهل مكة في غفلة عن هذا فإنهم غالباً يجيئون بالميت بعيد الظهر أو وقت التسبيح في السحر وقد يكون مات قبل هذا الوقت بكثير فيضعونه عند باب الكعبة حتى يصلى العصر أو الصبح ثم يصلى عليه كما في "المقاصد الحسنة".
يقول الفقير : وأهل كل بلدة في غفلة عن هذا في هذا الزمان سامحهم الله تعالى.
وتجوز صلاة الجنازة حين طلوع الشمس واستوائها وغروبها بلا كراهة إن حضرت في هذه الأوقات وإن حضرت قبلها أخرت ويقوم الإمام حذاء الصدر لأنه محل العلم ونور الإيمان ويكبر ويثني، أي : يقول
٤٩٧
الإمام والمؤتم والمنفرد.
سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، قوله : وجل ثناؤك لم يذكر في الأحاديث المشهورة فلم يأتتِ به مصلي الفرض ولا بأس للمتنفل بإتيانه به لأن النفل مبني على التوسيع فيجوز فيه ما لا يجوز في الفرض.
قال الحلبي : الأولى تركه إلا في صلاة الجنازة ثم يكبر ويصلي على النبي عليه السلام بما يحضره كما في "الجلابي" أو بما يصلي به في الفرض كما في "المستصفى" فيقول : اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والمعنى اللهم صل على محمد صلاة كاملة كما دل عليه الإطلاق.
وقوله : وعلى آل محمد من عطف الجملة أي وصل على آله مثل الصلاة على إبراهيم وآله فلا يشكل بوجوب كون المشبه به أقوى كما هو المشهور كما في القهستاني ثم يكبر ويدعو للميت أو لكل مسلم ولو حياً ويسنّ الدعاء المعروف "اللهم اغفرلحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" وخص هذا الميت بالرحمة والغفران والروضة والرضوان اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه برحمتك يا أرحم الراحمين كما في "عيون الحقائق".