قال بعضهم أعطنا بالزيف كما تبيع بالدراهم الجياد ولا تنقصنا شيئاً وتصدق علينا تفضل بالمسامحة وقبول المزجاة فإن التصدق التفضل مطلقاً، واختص عرفاً بما يبتغي به ثواب الله ولذا لا يقال في العرف اللهم تصدق عليّ ؛ لأنه لا يطلب الثواب من العبد بل يقال أعطني أو تفضل عليّ وارحمني.
ثم هذا، أي : حمل التصدق على المساهلة في المعاملة على قول من يرى تحريم الصدقة على جميع الأنبياء وأهليهم أجمعين، وأما على قول من جعله مختصاً بنبينا عليه السلام فالمراد حقيقة الصدقة إن الله يجزي المتصدقين يثيب المتفضلين أحسن الجزاء والثواب.
قال الضحاك : لم يقولوا إن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن.
يقول الفقير : دخل يوسف في لفظ الجمع سواء شافهوه بالجزاء أولا مع أن الجزاء ليس بمقصور على الجزاء الأخروي بل قد يكون دنيويا وهو أعم فافهم.
ومن آثار الثواب الدنيوي : ما حكي عن الشيخ أبي الربيع أنه قال : سمعت امرأة في بعض القرى أكرمها الله بشاة تحلب لبناً وعسلاً فجئت إليها وحلبت الشاة فوجدتها كما سمعت وسألت عن سببها، قالت : كانت لنا شاة نتقوّت بلبنها فنزل علينا ضيف وقد أمرنا بإكرامه فذبحناها له لوجه الله تعالى، فعوضنا الله تعالى هذه الشاة ثم قالت : إنها ترعى في قلوب المريدين يعني لما طابت قلوبنا طاب ما عندنا فطيبوا قلوبكم يطب لكم ما عندكم فالاعتقاد الصحيح والنية الخالصة وطيب الخاطر لها تأثير عظيم حكى أن السلطان محمود مر على أرض قوم يكثر فيها قصب السكر وكان لم يره بعد فقشر له بعض القصبات فلما مص منه السكر استحسنه والتذ منه في الغاية فخطر بباله أن يضع فيه شيئاً من الرسوم كالباج والخراج حتى يحصل له من هذا القصب في كل سنة كذا وكذا فلما مص بعد هذه الخاطرة وجده قصباً يابساً خالياً عن السكر فسمعه من تلك القبيلة شيخ عتيق وقال قد همّ الملك بأن يفعل بدعة وظلماً في مملكته أو فعلها فلذلك نفد سكر القصب فاستتاب السلطان في نفسه ورجع عما خطر بباله فلما مصه ثانيا بعد ذلك وجده مملوأ من السكر كما كان فهذا من تأثير النية والهمة.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٣٠٩
ثم إن الصدقة لا تختص بالمال بل كل معروف صدقة، ومنها العدالة بين الاثنين، والإعانة والكلمة الطيبة والمشي إلى الصلاة وإماطة الأذى عن الطريق ونحوها، وكذا النوافل لا تختص عند أهل الإشارة بالصلوات بل تعم كل خير زائد وفي الحديث القدسي : لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره فعلى العاقل الاشتغال بنوافل الخيرات من الصدقات وغيرها.
قال السعدي قدس سره :
يكى دربيابان سكى تشنه يافت
برون ازرمق در حياتش نه يافت
٣١١
كله دلو كرد آن بسنديده كيش
و حبل اندران بست دستار خويش
به خدمت ميان بست وباز وكشاد
سك ناتون را دمي آب داد
خبر داد يغمبر از حال مرد
كه داور كناهان او عفو كرد
ألا كر جفا كارى انديشه كن
وفايش كيرو كرم يشه كن
كسى باسكى نيكوى كم نكرد
كجاكم شود خير بانيك مرد
كرم كن نان كت بر آيدزدست
جهانبان در خير بر كس نبست
كرت در بيابان نباشد هى
راغى بنه در زيارتكهي
به قنطار زربخش كردن زكنج
نباشد و قيراطي ازدست رنج
بردهر كسى بار در خور دزور
كرانست اي ملخ يش مور
ثم في قوله : وجئنا ببضاعة مزجية الآية إشارة إلى أن طالب الحق ينبغي له عرض الحاجة والفقر والافتقار ورؤية تقصيره، فإن الفناء محبوب المحبوب، وطريق حسن لنيل المطلوب ولذلك لما سمع يوسف كلامهم هذا أدركته الرحمة فرفع الحجاب وخلصهم من ألم الفرقة والاضطراب.
ومن هذا المقام ما قيل لأبي يزيد البسطامي قدس سره : خزائننا مملوءة بالأعمال فأين العجز والافتقار والتضرع والسؤال؟ ولا يلزم من هذا ترك العمل فإنه لا بد منه في مقامه ألا ترى أن الأخوة إنما قالوا ما قالوا بعد أن جاؤوا ببعض الأمتعة، فللطالب أن يعمل قدر طاقته ولكن لا يغتر بعلمه بل يتقرب إليه بالفناء وترك الرؤية ليكون ذلك وسيلة إلى المعرفة والقربة والوصلة.
قال أبو يزيد البسطامي قدس سره :
ار يز آورده ام شاهاكه در كنج تو نيست
نيستى وحاجت وعجز ونياز آورده ام
قال لما رأى يوسف تمسكن إخوته رق لهم فلم يتمالك من أن عرفهم نفسه.
قال الكاشفي (آن نامه يعقوب بركوشه تخت نهادند يوسف نامه را بخواند كريه بروى غلبه كرد عنان تمالك ازدست داده كفت اي برادران).
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٣٠٩