قال الإمام الزروقي : الشهيد هو الحاضر الذي لا يغيب عنه معلوم ولا مرئي ولا مسموع ومنه عرف أن الشهيد عبد حافظ على المراقبة واتقى بعلمه ومشاهدته على غيره ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ القذف الرمي البعيد بنحو الحجارة والسهم ويستعار لمعنى الإلقاء والباء للتعدية أي : يلقي الوحي وينزله على من يجتبيه من عباده فالاجتباء ليس لعلة والاصطفاء ليس لحيلة أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزيله ﴿عَلَّـامُ الْغُيُوبِ﴾ بالرفع صفة محمولة على محل أن واسمها أو بدل من المستكن في يقذف أو خبر ثان لأن أي : عالم بطريق المبالغة بكل ما غاب عن خلقه في السموات والأرض قولاً كان أو فعلاً أو غيرهما.
قال بعض الكبار : من أدمن ذكر يا علام الغيوب إلى أن يغلب عليه منه حال فإنه يتكلم بالمغيبات ويكشف ما في الضمائر وتترقى روحه إلى العالم العلوي ويتحدث بأمور الكائنات والحوادث.
وأيضاً هو نافع لقوة الحفظ وزوال النسيان.
وفي "التأويلات" : إنما ذكر الغيوب بلفظ الجمع لأنه عالم بغيب كل أحد وهو ما في ضمير كل أحد وأنه تعالى عالم بما يكون في ضمير أولاد كل أحد إلى يوم القيامة وإنما قال علام بلفظ المبالغة ليتناول علم معلومات الغيوب في الحالات المختلفة كما هي بلا تغير في العلم عند تغير المعلومات من حال إلى حال بحيث لا يشغله شأن حال عن حال.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّـامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَـاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى﴾.
﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ﴾ أي : الإسلام والتوحيد ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَـاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ابدأ الشيء فعله ابتداء (والإعادة : باز كردانيدن) والمعنى زال الشرك وذهب بحيث لم يبق أثره أصلاً مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعل مثلاً في الهلاك بالكلية.
ـ روى ـ ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول :"جاء الحق وزهق الباطل قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعبد".
جزء : ٧ رقم الصفحة : ٢٥٨
﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ عن الطريق الحق كما تزعمون وتقولون لقد ضللت حين تركت دين آبائك ﴿فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِى﴾ فإن وبال ضلالي عليها لأنه بسببها إذ هي الحاملة عليه بالذات
٣٠٨
والأمارة بالسوء وبهذا الاعتبار قوبل الشرطية بقوله :﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ إلى الطريق الحق ﴿فَبِمَا يُوحِى﴾ فبسبب ما يوحي ﴿إِلَىَّ رَبِّى﴾ من الحكمة والبيان فإن الاهتداء بتوفيقه وهدايته.
وفيه إشارة إلى منشأ الضلالة نفس الإنسان فإذا وكلت النفس إلى طبعها لا يتولد منها إلا الضلالة وإن الهداية من مواهب الحق تعالى ليست النفس منشأها ولذلك قال تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلا فَهَدَى﴾ (الضحى : ٧) ﴿أَنَّهُ﴾ تعالى ﴿سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ يعلم قول كل من المهتدي والضال وفعله وإن بالغ في إخفائهما.
قال بعض : الكبار سميع بمنطق كل ناطق قريب لكل شيء وإن كان بعيداً منه :
دوست نزديكتر از من بمن است
وين عجبتر كه من ازوى دورم
ه كنم باكه توان كفت كه او
در كنار من ومن مهجورم
قال بعضهم : السميع هو الذي انكشف كل موجود لصفة سمعه فكان مدركاً لكل مسموع من كلام.
وغيره وخاصية هذا الاسم إجابة الدعاء فمن قرأه يوم الخميس خمسمائة مرة كان مجاب الدعوة وقرب الله من العبد بمعنى أنه عند ظنه كما قال :"أنا عند ظن عبدي بي".
وقال بعضهم : هو قريب من الكل لظهوره على العموم وإن لم يره إلا أهل الخصوص لأنه لا بد للرؤية من إزالة كل شيء معترض وحائل وهي حجب العبد المضافة إلى نفسه.
وسئل الجنيد عن قرب الله من العبد فقال : هو قريب لا بالاجتماع بعيد لا بالافتراق وقال القرب يورث الحياء ولذا قال بعضهم :
نعره كمتر زن كه نزديكست يار†
يشير إلى حال أهل الشهود فإنهم يراعون الأدب مع الله في كل حال فلا يصيحون كما لا يصيح القريب للقريب وأما أهل الحجاب فلهم ذلك لأن قربهم بالهم لا بالشهود وكم من فرق بينهما.
وفي الآية إشارة إلى أنه لا يصير المرء ضالاً بتضليل الآخرة إياه فإن الضال في الحقيقة من خلق الله فيه الضلالة بسبب إعراضه عن الهدى كما أنه لا يكون كافراً بإكفار الغير إياه فإن الكافر في الحقيقة من قبل الكفر وأعرض عن الإيمان وإلى أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن كل شاة معلقة برجلها أي : كل واحد مجزي بعمله لا بعمل غيره فالصالح مجزي بأعماله الصالحة وأخلاقه الحسنة ولا ضرر له من الأعمال القبيحة لغيره وكذا الفاسق مجزي بعمله السوء ولا نفع له من صالحات غيره :
جزء : ٧ رقم الصفحة : ٢٥٨
هركه او نيك ميكند يابد
نيك وبد هره ميكند يابد


الصفحة التالية
Icon