﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ﴾ السوق (راندن) والمراد سوق السحاب الحامل للماء لأنه هو الذي ينسب إلى الله تعالى وأما السقي بالأنهار فمنسوب إلى العبد وإن كان الإنبات من الله تعالى ولما كان هذا السوق وما بعده من الإخراج محسوساً حمل بعضهم الرؤية على البصرية ويدل عليه أيضاً آخر الآية وهو أفلا يبصرون.
وقال في "بحر العلوم" حملاً على المقصود من النظر أي : قد علموا أنا نسوق الماء، وبالفارسية :(أيا نمى بينند ونميدانندكه ما آب را در ابر ميرانيم) ﴿إِلَى الارْضِ الْجُرُزِ﴾ أي : التي جرز نباتها أي : قطع وازيل بالكلية لعدم المطر أو لغيره كالرعي لا التي لا تنبت لقوله :﴿فَنُخْرِجُ﴾ من تلك الأرض ﴿بِهِ﴾ أي : بسبب ذلك الماء المسوق ﴿زَرْعًا﴾ (كشت زارها وغلات وأشجار) وهو في الأصل مصدر عبر به عن المزروع ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ﴾ أي : من ذلك الزرع ﴿أَنْعَـامُهُمْ﴾ (هار ايان ايشان) كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ كالحبوب التي يقتاتها الإنسان والثمار ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ أي : لا ينظرون فلا يبصرون ذلك فيستدلون به على وحدته وكمال قدرته وفضله تعالى وأنه الحقيق بالعبادة وأن لا يشرك به بعض خلقه من ملك وإنسان فضلاً عن جماد لا يضر ولا ينفع وأيضاً فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم وإحيائهم.
جزء : ٧ رقم الصفحة : ١٠٦
قال ابن عطاء في الآية نوصل بركات المواعظ إلى القلوب القاسية المعرضة عن الحق فتتعظ بتلك المواعظ.
قال بعضهم : يسوق مياه معرفته من بحار تجلي جلاله إلى أرض القلوب الميتة فينبت نرجس الوصلة وياسمين المودة وريحان المؤانسة وبنفسج الحكمة وزهر الفطنة وورد المكاشفة وشقائق الحقيقة.
وقال بعضهم : نسوق ماء الهداية إلى القلوب الميتة فنسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها فيعود عودها مورقاً بعد ذبوله حاكياً لحالة حال حصوله فنخرج به زرعاً من الواردات التي تصلح لزينة النفوس ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب ولا يخفى أن الهداية على أنواع فهداية الكافر
١٢٨
إلى الإيمان وهداية المؤمن الفاسق إلى الطاعات وهداية المؤمن المطيع إلى الزهد والورع وهداية الزاهد المتورع إلى المعرفة وهداية العارف إلى الوصول وهداية الواصل إلى الحصول فعنف الحصول تنبت حبة القلب بفيض الإلهام الصريح نباتاً لا جفاف لها بعده فمن ههنا يأخذ الإنسان الكامل في الحياة الباقية وينبغي لطالب الحق أن يجتهد في طريق العبودية فإن الفيض والنماء إنما يحصل من طريق العبادات ولذا جعل الله الطاعات رحمة على العباد ألا ترى أن الإنسان إذا صلى صلاة الفجر يقع في بحر المناجاة مع الله ولكن تنقطع هذه الحالة إلى صلاة الظهر بالنسبة إلى الإنسان الناقص إذ ربما يشتغل في البين بما ينقطع به المدد فصلاة الظهر إذا تجدد له حالته وهكذا فتكرر الصلوات في الليل والنهار كتكرر سقي الأرض والزرع صباحاً ومساءً وكذا الصوم فإن شهر رمضان يفتح فيه باب القلب ويغلق باب الطبيعة فيحصل للصائم صفة الصمدية فيكون كالملائكة في المحل ففي تكرر رمضان عليه إمداد له لتكميل تلك الصفة الإلهية وإنما لا يظهر أثر الطاعات في حق العوام لأنهم لا يؤدونها من طريقها وبشرائطها فالله تعالى قادر على أن ينقذهم من شهواتهم ويخرجهم من دائرة غفلاتهم ومن استعجز القدرة الإلهية فقد كفر.
قال في "شرح الحكم" وإن أردت الاستعانة على تقوية رجائك فانظر لحال من كان مثلك ثم أنقذه الله وخصه بعنايته كإبراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض وابن المبارك وذي النون ومالك بن دينار وغيرهم من محرومي البداية ومرزوقي النهاية، وفي "المثنوي" :
سايه حق برسر بنده بود
عاقبت جوينده يابنده بودكفت يغمبر كه ون كوبى درى
عاقبت زان در برون آيد سرى
ون نشينى برسر كوى كسى
عاقبت بيني توهم روى كسى
جزء : ٧ رقم الصفحة : ١٠٦
ون زاهى ميكنى هر روز خاك
عاقبت اندر رسى درآب اك
جمله دانند اين اكر تو نكروى
هره ميكاريش روزى بد روى
وقال في موضع آخر :
ون صلاى وصل بشنيدن كرفت
اندك اندك مرده نبيدن كرفتنى كم ازخاكست كز عشوه صبا
سبز وشد سر برآرد ازقنا
كم زآب نطفه نبود كز خطاب
يوسفان زايند رخ ون آفتاب
كم زبادى نيست شد از امركن
در رحم طاوس ومرغ خوش سخن
كم زكوه وسنك نبود كز ولاد
ناقه كان ناقه ناقه زاد زاد
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الارْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِه زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيَمَـانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾.


الصفحة التالية
Icon