قوله تعالى: ﴿ أفلا تعقلون ﴾؛ الفاء واقعة بعد همزة الاستفهام؛ وهذا يكثر في القرآن: ﴿ أفلا تعقلون ﴾؛ ﴿ أفلا تذكرون ﴾؛ ﴿ أفلم يسيروا ﴾؛ ﴿ أو لم يسيروا ﴾؛ ﴿ أثم إذا ما وقع آمنتم به ﴾؛ وأشباه ذلك؛ يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام؛ وهمزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها؛ ولا صدارة مع وجود العاطف؛ لأن الفاء عاطفة؛ فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة عُطفت عليها الجملة التي بعد حرف العطف، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام؛ وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة؛ وإن حرف العطف هو الذي تأخر. يعني زُحلق حرف العطف عن مكانه، وجعلت الهمزة مكانه؛ وعلى هذا فيكون التقدير: فألا تعقلون؛ أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؛ أو: أسفهتم فلا تعقلون... المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق؛ فالقول الأول أدق؛ والثانية أسهل؛ لأن الثاني لا يحتاج عناءً وتكلفاً فيما تقدره بين الهمزة والعاطف..
قوله تعالى: ﴿ أو لا يعلمون ﴾: الاستفهام هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل؛ ﴿ أن الله يعلم ما يسرون ﴾: يشمل ما يسره الإنسان في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به؛ ﴿ وما يعلنون ﴾ أي ما يظهرون لعامة الناس؛ فالله سبحانه وتعالى يعلم هذا، وهذا؛ ولا يخفى عليه شيء؛ والمعنى: كيف يؤنب بعضهم بعضاً بهذا الأمر وهم لو جاءوا إلى النبي ﷺ ومن معه، وأنكروا نبوَّته، ولم يؤمنوا فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر؟! فسواء أقروا، أو لم يقروا عند الصحابة أن الرسول حق فإن الله تعالى عالم بهم..
الفوائد:
. ١ ومن فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا... ﴾ إلخ..
. ٢ ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض... ﴾ إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين..