قوله تعالى: ﴿ خذوا ﴾ فعل أمر؛ وهو في محل نصب مقولاً لقول محذوف. أي: قلنا: خذوا. ﴿ ما أتيناكم ﴾ أي ما أعطيناكم؛ والمراد به التوراة ﴿ بقوة ﴾ أي بجدٍّ، ونشاط؛ فالجد: العزيمة الثابتة؛ والنشاط: القوة في التنفيذ؛ ﴿ واسمعوا ﴾ أي سماع قبول، واستجابة؛ فأمروا بأن يأخذوا بالتوراة بقوة، وأن يسمعوا، ويستجيبوا، وينقادوا؛ وكان الجواب: ﴿ قالوا سمعنا ﴾ أي بآذاننا؛ ﴿ وعصينا ﴾ أي بأفعالنا؛ فما سمعوا السمع الذي طُلب منهم؛ ولكنهم استكبروا عنه؛ وظاهر الآية الكريمة أنهم قالوا ذلك لفظاً: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾؛ وقال بعضهم: قالوا: ﴿ سمعنا ﴾ بألسنتهم، وعصوا بأفعالهم؛ فيكون التعبير بالعصيان هو عبارة عن أفعالهم، وأنهم لم يقولوا بألسنتهم: ﴿ وعصينا ﴾؛ وهذا ضعيف؛ لأن الواجب حمل اللفظ على ظاهره حتى يقوم دليل صحيح على أنه غير مراد، ولأنه لا يمتنع أن يقولوا: "سمعنا وعصينا" بألسنتهم وهم الذين قالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] ؛ فالذين تجرأوا أن يقولوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ يتجرءون أن يقولوا: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ بألسنتهم؛ وكأن الذين قالوا: إن المراد بالمعصية هنا فعل المعصية؛ وليس معناه أنهم قالوا بألسنتهم: ﴿ وعصينا ﴾ كأنهم قالوا: إنهم التزموا بهذا والجبل فوق رؤوسهم؛ ومن كان هذه حاله لا يمكن أن يقول: "سمعنا، وعصينا" والجبل فوقه؛ ويمكن الجواب عن هذا بأنهم قالوا ذلك بعد أن فُرِّج عنهم؛ و"العصيان": هو الخروج عن الطاعة بترك المأمور، أو فعل المحظور؛ فمن ترك الجماعة وهي واجبة عليه فهو عاصٍ؛ ومن زنى، أو سرق، أو شرب الخمر فهو أيضاً عاصٍ لله. ورسوله..


الصفحة التالية
Icon