والثاني: أنه إذا كان المشرك يود أن يعمر ألف سنة، وكان اليهودي أحرص منه على الحياة، فيلزم أن يكون اليهودي يتمنى أن يعمر أكثر من ألف سنة..
وقوله تعالى: ﴿ لو يعمر ﴾ أي لو يزاد في عمره؛ و"العمر" هو الحياة؛ و﴿ لو ﴾ هنا مصدرية؛ وكلما جاءت بعد "ود" فهي مصدرية، كما في قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ [الأحزاب: ٢٠]، وقوله تعالى:
﴿ يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ﴾ [يونس: ٨٧] ؛ ومعنى "مصدرية" أنها بمعنى "أنْ" تؤول، وما بعدها بمصدر، فيقال في الآية. ﴿ يود أحدهم لو يعمَّر ألف سنة ﴾: يود أحدهم تعميره ألف سنة؛ و "السنة" هي العام؛ والمراد بها هنا السنة الهلالية. لا الشمسية. لأن الكلمات إذا أطلقت تحمل على الاصطلاح الشرعي؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦] ؛ فالميقات الذي وضع الله للعباد إنما هو بالأشهر الهلالية، كما قال تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]، وكما قال تعالى في القمر: ﴿وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ [يونس: ٥]..
قوله تعالى: ﴿ وما هو بمزحزحه من العذاب ﴾ أي بدافعه، ومانعه؛ ﴿ أن يعمر ﴾: ﴿ أن ﴾، والفعل بعدها فاعل "زحزح" ؛ والتقدير: وما هو بمزحزحه تعميره؛ لأن "مزحزح" اسم فاعل يعمل عمل فعله؛ والمعنى أنه لو عُمِّر ألف سنة، أو أكثر وهو مقيم على معصية الله تعالى فإن ذلك لن يزحزحه من العذاب؛ بل إن الإنسان إذا ازداد عمره وهو في معصية الله ازداد عذابه؛ ولهذا جاء في الحديث: "شرُّكم من طال عمره، وساء عمله"(١).
قوله تعالى: ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾: ﴿ بصير ﴾ هنا بمعنى عليم؛ أي أنه جَلَّ وعلا عليم بكل ما يعملونه في السر، والعلانية من عمل صالح، وعمل سيء..
الفوائد: