صفحة رقم ٤٩٩
التخصيص بهم :( إن الله ) أي الملك الأعظم الذي لا راد لأمره ) لا يهدي ( وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال :( القوم الظالمين ) أي وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهوائهم، فالآية من الاحتباك : أثبت أولاً اتباع الهوى دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً الظلم دليلاً على حذفه أولاً.
ولما أبلغ في هذه الأساليب في إظهار الخفايا، وأكثر من نصب الأدلة على الحق وإقامة على وجوب اتباع محمد ( ﷺ )، وكانوا بإعراضهم عن ذلك كله كأنهم منكرون لأن يكون جاءهم شيء من ذلك، قال ناسقاً على ما تقديره : فلقد آتيناك في هذه الآيات بأعظم البينات، منبهاً بحرف التوقع المقترن بأداة القسم على أنه مما ياتوقع هنا أن يقال :( ولقد وصلنا ) أي على ما لنا من العظمة التي مقتضاها أن يكفي أدنى إشارة منها ) لهم ( اي خاصةن فكان تخصيصهم بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها ) القول ( اي أتبعنا بعض القول - الذي لا قول في الحقيقة سواه - بعضاً بالإنزال منجماً، قطعاً بعضها في أثر بعض، لتكون جواباً لأقولهم، وحلاًّ لإشكالهم، فيكون أقرب إلى الفهم، وأولى بالتدبر، مع تنويعه في وعد ووعيد، وأخبار ومواعظ، وحكم ونصائح، وأحكاتم ومصالح، وأكثرنا من ذلك حتى كانت آياته المعجزات وبيناته الباهرات كأنها افراس الرهبان، يوم استباق الأقران، في خومة الميدان، غير أن كلاًّ منهما سابق في العيان.
ولما بكتهم بالتنبيه بهذا التأكيد على مبالغتهم في الكذب بالقول أو بالفعل في أنه ما أتاهم ما يقتضي التذكير أتبع ذلك التوصيل عليه فقال :( لعلهم يتذكرون ) أي ليكون حالهم حال الذين يرجى لهم أن يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق تذكيراً، بما أشار إليه الإظهار.
ولما كان من التذكر ما دل عليه مجر العقل، ومنه ما انضم إليه مع ذلك العقل، وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر، وكان كأنه قيل : هل تذكروا ؟ قيل : نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقاً تذكروا حقاً، وذلك معنى قوله :( الذين آتيناهم ( اي بعظمتنا التي حفظناهم بها ) الكتاب ) أي العلم من التوراة والإنجيل وغيرهما منكتب الأنبياء، وهم يتلون ذلك حق تلاوته، في بعض الزمان الذي كان ) من قبله ) أي القرآن ) هم ) أي خاصة ) به ) أي القرآن، لا بشيء مما يخالفة ) يؤمنون ) أي يوقعون الإيمان به في حال وصوله إليهم إيماناً لا يزال يتجدد ؛ ثم أكد هذا المعنى بقوله :( وإذا يتلى ) أي تتجدد تلاوته ) عليهم قالوا ( مبادرين :( آمنا به ( ثم عللوا ذلك بقولهم الدال على غاية المعرفة، مؤكدين لأن من كان على دين لا يكاد يصدق رجوعه عنه، فكيف


الصفحة التالية
Icon