إن اختيار الطريق السهل في بعض الأحيان يورد المهالك، و لكن أبا بكر اختار في تلك اللحظة الطريق الصعب الشاق المؤدي إلى النجاة والنصر والفوز، وكان حزما وحسما سجلهما التاريخ لهذا الخليفة الراشد الملهم(١).
رضي الله عنك يا أبا بكر، لقد كان يدرك ما وراء خروج هذا الجيش بعد وفاة الرسول - ﷺ - التي جعلت أعداء الإسلام يتطلعون للقضاء على الإسلام، كان يدرك - رضي الله عنه - ما في طاعة الله ورسوله من الخير من جهة، وما في إظهار القوة التي لا يحترم الأعداء سواها من جهة أخرى، فكانت هذه النتيجة الرفيعة لذلك القرار التاريخي العظيم(٢).
- حروب الردة:
قام أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بحرب المرتدين وجهز الجيوش لكل ناحية من نواحي الجزيرة العربية، فنصر الله الإسلام وأذل الكفر وكانت النتيجة خلال سنة واحدة كما قال ابن كثير - رحمه الله -: «استهلت هذه السنة - يعني سنة اثنتي عشرة للهجرة - وجيوش الصديق وأمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينا وشمالا لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام حتى رد شارد الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه وتمهدت جزيرة العرب وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى...» (٣).
إن كل واقعة من حرب الردة تشهد بأن أهل الباطل لا يحترمون أهل الحق إلا بالقوة والجهاد، ولقد ترتب على حروب الردة عدة نتائج من أهمها:
- لقد تكسرت وتحطمت قوى الشر من يهود ونصارى، ووثنيين الذين تستروا تحت شعارات عدة أمام صلابة التوحيد وحقيقة التصور السليم، والقيادة الحكيمة، وتركت لنا الأحداث الجسيمة ثروة ضخمة في معاملة المرتدين وأحكامهم، وفي المنهج الصحيح لمعاملة الخارجين عن دولة الإسلام العظيمة.

(١) انظر: الشورى بين الأصالة والمعاصرة، ص٨٤.
(٢) انظر: الجهاد في سبيل الله (٢/٤٥٥).
(٣) البداية والنهاية (٦/٣٤٢).


الصفحة التالية
Icon