ومن خلال الأمثلة السابقة اتضح لنا التلازم بين الخيرية والبينية – حسية أو معنوية- في إطلاق مصطلح (الوسطية) ولهذا فعندما استخدم هذا المصطلح في بحثي هذا فإنني أقصد به ما ينطبق عليه هذا الفهم دون سواه.
الفصل الثاني
في أسس الوسطية
مما سبق اتضح لنا أن الوسطية لابد لها من توافر أمرين وهما: الخيرية والبينية، وإذا أردنا أن نعرف الوسطية على الوجه الدقيق، هناك أسس لا بد من بيانها، ليحدد معنى الوسطية.
وهذه الأسس هي:
الغلو أو الإفراط.
الجفاء أو التفريط.
الصراط المستقيم.
فالصراط المستقيم، وهو وسط بين الغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط، كما يمثل الخيرية ويحقق معناها وبذلك يتحقق في الصراط المستقيم أمران من لوازم الوسطية، وفي هذا المبحث سأبدأ في بيان هذه الأسس مبتدئا بالغلو والإفراط، ثم الجفاء والتفرتيط، ثم أوضح معنى وحقيقة الصراط المستقيم، وبضدها تتبين الأشياء، وسأركز على تحديد معنى هذه الأسس من خلال القرآن الكريم والسنة المبينة لذلك، ثم كلام المفسرين وغيرهم من العلماء، ومن الله أستمد السداد والإعانة والتوفيق.
المبحث الأول الغلو والإفراط
أولا: الغلو: أما الغلو فقد عرفه أهل اللغة بأنه مجاوزة الحد، فقال ابن فارس: غلو: ا لغين واللام والحرف المعتل أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر، يقال: غلا السعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلوا، إذا جاوز حده، وغلا بسهمه غلوا إذا رمي به سهما أقصى غايته(١).
وقال الجوهري: وغلا في الأمر يغلو غلوا، أي جاوز فيه الحد(٢) وقال صاحب لسان العرب: وغلا في الدين والأمر، والأمر يغلو: جاوز حده، وفي التنزيل: (لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) [النساء: ١٧١](٣).

(١) مقاييس اللغة، كتاب الغبن، باب الغين واللام (٤/٣٨٧).
(٢) انظر: الصحاح مادة (غلا) (٦/٢٤٤٨).
(٣) لسان العرب، فصل الغين، باب غلا (١٥/١٣٢).


الصفحة التالية
Icon