فاستدل هذا العاقل الموفق –بحسن شريعته، وموافقتها للعقول الصحيحة – على رسالته؛ فبادر إلى الإيمان به ولهذا استدل ملك الروم هرقل – لما وصف له ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما كان يأمر به، وما ينهي عنه –استدل بذلك أنه من أعظم الرسل؛ واعترف بذلك اعترافا جليا ولكن منعته الرئاسة وخشية زوال ملكه من اتباعه؛ كما منعت كثيرا ممن اتضح لهم أنه رسول الله حقا، وهذا من أكبر موانع الإيمان في حق أمثال هؤلاء، وأما أهل البصائر والعقول الصحيحة، فإنهم يرون هذه الموانع والرئاسات والشبهات والشهوات، ولا يرون لها قيمة: حتى يعارض بها الحق الصحيح النافع، المثمر للسعادة عاجلا وآجلا. ولهذا السبب الأعظم كان المعتنون بالقرآن حفظا ومعرفة، والمعتنون بالأحاديث الصحيحة أعظم إيمانا ويقينا من غيرهم، وأحسن عملا في الغالب.
خامسًا: ومن أسباب الإيمان ودواعيه التي بينها القرآن الكريم التفكر في الكون، وفي خلق السماوات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان، وما هو عليه من الصفات المتنوعة قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ) [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) [الذاريات: ٢١].


الصفحة التالية
Icon