وعطف إيثار الحياة الدنيا على الطغيان قرينة على أن المندّد به ليس الاستمتاع بطيبات الحياة إطلاقا وإنما هو الاستغراق فيها استغراقا يجعل المرء لا يحسب حساب الآخرة ويطغى في الأرض. وهكذا يظل المبدأ القرآني المحكم الذي قررته آية سورة الأعراف [٣٢] وأكّدته آيات عديدة أخرى هو الضابط لهذا الأمر.
وتعبير وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى تعبير قوي نافذ في صدد اجتناب الآثام والموبقات والشهوات من حيث تصوير كون أهمّ ما يورط المرء في ذلك هو اتباع هوى النفس دون وازع ولا زاجر. وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى.
وفي الآيات توكيد قويّ للمبدأ القرآني المحكم الذي قررته آيات كثيرة في سور عديدة من كون الإنسان يكسب أعماله باختياره وسعيه وأنه مجزى عليه وفاقا لذلك.
وفي الآيات الباقية :
١ - حكاية لسؤال الكفار للنبي عليه السلام عن موعد قيام القيامة.
٢ - وتنديد بسؤالهم الذي يوردونه من قبيل التحدّي والاستخفاف.
٣ - وتقرير بأن موعدها عند اللّه وفي علمه.
٤ - وخطاب للنبي - ﷺ - بصيغة السؤال التقريري بأنه ليس له عنها علم وبأن قصارى شأنه أنه منذر بها لينتفع بذلك من كان يستشعر بالخوف منها ويريد أن يتحاشى أسبابه بالإيمان وصالح العمل.
٥ - وإنذار وتوكيد للكفار بأنهم سيرونها حتما وفي برهة أقرب بكثير مما يظنون وأنهم حينما يرونها سيظنون من شدّة هذا الأمر أنه ما بينها وبين موتهم إلّا مساء أو صباح.
وواضح أن الآيات استمرار مع السياق والموضوع. وقد تكرر مثل هذا السؤال والردّ عليه في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها حيث يدل ذلك على تكرر السؤال والتحدي من قبل الكفار واقتضاء حكمة التنزيل بتكرار الردّ عليهم.
ولقد أورد البخاري ومسلم في فصل التفسير من صحيحيهما حديثا مرويا عن سهل بن سعد في سياق هذه الآيات جاء فيه :«رأيت النبيّ - ﷺ - قال بإصبعيه هكذا بالوسطى وبالتي تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين» «١». ولقد علقنا على موضوع اقتراب الساعة في سياق تفسير سورة القمر بما فيه الكفاية فلا نرى ضرورة للإعادة.
ولقد روى الطبري بطرقه في سياق هذه الآيات أيضا حديثين أحدهما عن عائشة قالت :«لم يزل النبي - ﷺ - يسأل عن الساعة حتى أنزل اللّه عزّ وجلّ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)» وثانيهما عن طارق بن شهاب قال :«كان النبي - ﷺ - لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها إلى مَنْ يَخْشاها». ويلحظ على هذين الحديثين أن


الصفحة التالية
Icon