السؤال عن الساعة إنما كان يقع ويتكرر من الكفار وأن القرآن كان يأمر النبي بالقول إنه لا يعلم ولا يملك من الأمر شيئا والأمر بيد اللّه وعلمه على ما جاء في سور كثيرة مرّ تفسيرها مثل سور الأعراف ويونس. وقد حكت آيات مدنيّة سؤالا لهم عنها أيضا وجوابا مماثلا على ما جاء في سورة الأحزاب يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) ويتبادر لنا أن العبارة القرآنية هنا هي من هذا الباب بأسلوب آخر. وليس فيها أية دلالة كما أنه ليس في القرآن أية دلالة على أن النبي هو الذي كان يسأل عنها حتى تكون هذه الآيات خاتمة لسؤاله عنها. والحديث الذي أوردناه آنفا والذي رواه البخاري ومسلم في سياق هذه الآيات قوي المغزى. (١)
قوله تعالى :« فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى » أي فإذا وقعت الواقعة، وجاء اليوم الموعود، الذي هو طامة كبرى، وبلاء عظيم على أهل الضلال والفساد، والذي يتذكر فيه كل إنسان ما عمل من خير وشر، وبرزت الجحيم، أي ظهرت بارزة واضحة لمن كانت له عينان يبصر بهما ـ إذا كان كل ذلك، حوسب الناس على ما عملوا، ولقى كل عامل جزاء عمله.. فجواب الشرط محذوف، دل عليه ما بعده من قوله تعالى :« فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا.. »
قوله تعالى :« فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى » أي أنه إذا حوسب الناس، اختلفت منازلهم، حسب أعمالهم.. فأما من طغى واستكبر، وسلك مسلك فرعون، وآثر الحياة الدنيا، ولم يعمل للآخرة عملا ـ فإن جهنم هى مأواه، ومنزله الذي يأوى إليه..
قوله تعالى :« وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ».
أي وأما من خشى ربه، وخاف حسابه وعذابه، وصرف نفسه عن هواها، ابتغاء مرضاة اللّه ـ فإن الجنة مأواه، ومنزله الذي بهنأ فيه بنعيم اللّه ورضوانه.
وفى قوله تعالى :« وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى » ـ إشارة إلى أن لأهواء النفس سلطانا قاهرا، وأنه إذا لم يقم الإنسان على نفسه ناهيا ينهاها، وزاجرا يزجرها عن اتباع هواها كلما دعتها دواعيه ـ انقاد لهذا الهوى الذي يغلبه على أمره، ويطرحه فى مطارح الضلال، والهلاك.
قوله تعالى :« يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها » أي يسألونك عن الساعة أيان مرساها » أي يسألك المشركون أيها النبي، عن القيامة : متى موعدها ؟ ومتى تلقى مراسيها على الشاطئ الموعود ؟