وفى قوله تعالى :« أَيَّانَ مُرْساها » ـ إشارة إلى أن الحياة الدنيا، أشبه بسفينة أقلعت بالناس، آخذة مسيرتها بهم على أمواج الزمن، حتى تلقى بهم على الشاطئ الآخر، المقابل للشاطىء الذي أقلعت منه سفينتهم.. فكأنهم يقولون : متى ترسو بنا سفينة الحياة على مرفأ هذا اليوم الموعود ؟ إنهم يسألون سؤال المنكر المستهزئ.
وقوله تعالى :« فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها » أي فى أي شىء أنت أيها النبي من ذكرها لهم ؟ إنك لا تدرى ما جواب هذا السؤال الذي يسألونك فيه عن يومها، لأنك لم تسأل ربك هذا السؤال، ولم تشغل نفسك به، ولم تتكلف له جوابا، لأنه ليس الذي يعنيك من هذا اليوم موعده، وإنما الذي أنت مشغول به منه، هو لقاؤه، والإعداد له.. وهو آت لا ريب فيه..
قوله تعالى :«إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها » أي أن أمر الساعة عند اللّه، وإليه منتهى مسيرة الناس إليها، لا يعلم أحد متى يكون ذلك.. كما يقول سبحانه :« يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ؟ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً » (١٨٧ : الأعراف) قوله تعالى :« إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها » أي أنه ليس لك أن تسأل عنها، ولا أن تجيب السائلين عن سؤالهم عن يومها، فليس ذلك من رسالتك، وإنما رسالتك هى أن تنذر بها، وتحذّر منها، من يخشاها، ويعمل حسابها، ويعدّ نفسه ليومها.
قوله تعالى :« كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ْ ضُحاها » أي أن هؤلاء الذين يسألون عن الساعة، ويستعجلون يومها، استهزاء، واستخفافا، دون أن يعدّوا أنفسهم لها ـ هؤلاء سيعلمون حين تطلع عليهم أن رحلتهم إليها لم تطل، وأنهم لم يلبثوا فى دنياهم إلا عشية ليلة، أو ضحى هذه الليلة.. (١)
إن الحياة الدنيا متاع. متاع مقدر بدقة وإحكام. وفق تدبير يرتبط بالكون كله ونشأة الحياة والإنسان. ولكنه متاع. متاع ينتهي إلى أجله.. فإذا جاءت الطامة الكبرى غطت على كل شيء، وطمت على كل شيء. على المتاع الموقوت. وعلى الكون المتين المقدر المنظم. على السماء المبنية والأرض المدحوة والجبال المرساة والأحياء والحياة وعلى كل ما كان من مصارع ومواقع. فهي أكبر من هذا كله، وهي تطم وتعم على هذا كله!
عندئذ يتذكر الإنسان ما سعى. يتذكر سعيه ويستحضره، إن كانت أحداث الحياة، وشواغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه. يتذكره ويستحضره ولكن حيث لا يفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصور ما وراءه من العذاب والبلوى!

(١) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (١٥ / ١٤٤٣)


الصفحة التالية
Icon