﴿ وبُرِّزَت الجحيم لمن يرى ﴾.. فهي بارزة مكشوفة لكل ذي نظر. ويشدد التعبير في اللفظ ﴿ بُرِّزَت ﴾ تشديداً للمعنى والجرس، ودفعاً بالمشهد إلى كل عين!
عندئذ تختلف المصائر والعواقب؛ وتتجلى غاية التدبير والتقدير في النشأة الأولى :﴿ فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى ﴾..
والطغيان هنا أشمل من معناه القريب. فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى. ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة. فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حساباً. واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره. فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده، واختلت كل القيم في تقديره، واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعد طاغياً وباغياً ومتجاوزاً للمدى.
فأما هذا.. ﴿ فإن الجحيم هي المأوى ﴾.. الجحيم المكشوفة المبرزة القريبة الحاضرة. يوم الطامة الكبرى!
﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى ﴾..
والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة. فظل في دائرة الطاعة.
ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية. وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى. فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.
والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى. ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة. فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبير بدوائها وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها!
ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته. ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها. وأن يستعين في هذا بالخوف. الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب. وكتب له بهذا الجهاد الشاق، الجنة مثابة ومأوى :﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾.. ذلك أن الله يعلم ضخامة هذا الجهاد؛ وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها ورفعها إلى المقام الأسنى.