إن الإنسان إنسان بهذا النهي، وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع. وليس إنساناً بترك نفسه لهواها، وإطاعة جواذبه إلى دركها، بحجة أن هذا مركب في طبيعته. فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته؛ وجعل له الجنة جزاء ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى.
وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان. تلك هي حرية الانتصار على هوى النفس والانطلاق من أسر الشهوة، والتصرف بها في توازن تثبت معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني. وهنالك حرية حيوانية، هي هزيمة الإنسان أمام هواه، وعبوديته لشهوته، وانفلات الزمام من إرادته. وهي حرية لا يهتف بها إلا مخلوق مهزوم الإنسانية مستعبد يلبس عبوديته رداء زائفاً من الحرية!
إن الأول هو الذي ارتفع وارتقى وتهيأ للحياة الرفيعة الطليقة في جنة المأوى. أما الآخر فهو الذي ارتكس وانتكس وتهيأ للحياة في درك الجحيم حيث تهدر إنسانيته، ويرتد شيئاً توقد به النار التي وقودها الناس من هذا الصنف والحجارة!
وهذه وتلك هي المصير الطبيعي للارتكاس والارتقاء في ميزان هذا الدين الذي يزن حقيقة الأشياء..
وأخيراً يجيء الإيقاع الأخير في السورة هائلاً عميقاً مديداً :﴿ يسألونك عن الساعة : أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاهآ. إنمآ أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴾..
وكان المتعنتون من المشركين يسألون الرسول - ﷺ - كلما سمعوا وصف أهوال الساعة وأحداثها وما تنتهي إليه من حساب وجزاء.. متى أو أيان موعدها.. أو كما يحكي عنهم هنا :﴿ أيان مرساها؟ ﴾..
والجواب :﴿ فيم أنت من ذكراها؟ ﴾.. وهو جواب يوحي بعظمتها وضخامتها، بحيث يبدو هذا السؤال تافهاً باهتاً، وتطفلاً كذلك وتجاوزاً.. فها هو ذا يقال للرسول العظيم :﴿ فيم أنت من ذكراها؟ ﴾.. إنها لأعظم من أن تَسأل أو تسأل عن موعدها. فأمرها إلى ربك وهي من خاصة شأنه وليست من شأنك :﴿ إلى ربك منتهاها ﴾.. فهو الذي ينتهي إليه أمرها، وهو الذي يعلم موعدها، وهو الذي يتولى كل شيء فيها.
﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾.. هذه وظيفتك، وهذه حدودك.. أن تنذر بها من ينفعه الإنذار، وهو الذي يشعر قلبه بحقيقتها فيخشاها ويعمل لها، ويتوقعها في موعدها الموكول إلى صاحبها سبحانه وتعالى.


الصفحة التالية
Icon