كلا.. إنها - آيات القرآن - تذكير ووعظ، لمن غفل عن اللّه فمن شاء ذكره واتعظ به فليفعل، ومن لم ينفعه وعظه فقد جنى على نفسه.
ثم إن اللّه تعالى وصف هذه التذكرة بأوصاف تدل على عظم شأنها، فقال : إنها مودعة وثابتة في صحف عالية مكرمة مشرفة، مرفوعة مطهرة عن النقص والعيب، لا تشوبها شائبة خلل في أية ناحية من النواحي، وقد أتت بأيدى ملائكة سفرة بين اللّه وبين الخلق، وهم كرام على اللّه بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء ٢٦] وأبرار وأطهار، لا يعصون اللّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
فهذا هو حال القرآن جاء تذكرة وموعظة، وكان بالمنزلة العالية المرفوعة المطهرة وجاء على أيدى ملائكة أمناء كرام بررة، فهل يعقل بعد هذا أن يكفر به عاقل ؟! (١)
قتل الإنسان! ما أشد كفره! وما أفظعه! أفلا ينظر إلى نفسه من أى شيء خلق ؟
إنه خلق من نطفة قذرة، ثم كان خلقا سويا قد قدره اللّه وهيأه ليقوم بما يكلف به، وليؤدى رسالته في عمارة الكون ثم قد هداه اللّه إلى الخير والشر بما أودع فيه من عقل وغرائز، وبما أرسل له من رسل وكتب، ألا ترى أن اللّه هداه السبيلين، ثم بعد ذلك أماته فجعل له قبرا يواريه، ثم إذا شاء بعد ذلك أحياه للحساب، فانظر إلى مبدئك ومنتهاك.
كلا أيها الإنسان : ارتدع عما أنت فيه، وثب إلى رشدك وارجع إلى ربك فأنت لم تقض ما أمر به ربك، ولم تعرف ما طلب منك.
إذا كان الأمر كذلك فلينظر الإنسان إلى طعامه كيف يكون ؟ ألم يروا أن اللّه أنزل من السماء ماء وصبه على الأرض صبا، ثم شق الأرض بالنبات، وأحياها بالزرع والخضروات، فأنبت منها قمحا وشعيرا، وعنبا وفاكهة، وبقولا وزيتونا ونخلا،
وحدائق ملتفة الأغصان كثيفة، كل هذا لكم ولأنعامكم!!! (٢)
التفسير والبيان :
كَلَّا، إِنَّها تَذْكِرَةٌ أي لا تفعل مثل فعلك مع ابن أم مكتوم، من الإعراض عن الفقير، والتصدي للغني مع كونه ليس ممن يتزكى، وإن هذه الآيات أو السورة أو القرآن موعظة، جدير بك وبأمتك أن تتعظ بها وتعمل بموجبها.
وفي الآية تعظيم شأن القرآن، فسواء قبله الكفرة أم لا، فلا يؤبه بهم، ولا يلتفت إليهم.
ثم وصف تلك التذكرة بأمرين :
(٢) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (٣ / ٨٢٥)