١- فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي إن هذه تذكرة بيّنة ظاهرة، مقدور على فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها، فمن رغب فيها اتعظ بها، وحفظها، وعمل بموجبها.
٢- فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ أي إنها تذكرة مثبتة مودعة كائنة في صحف مكرمة عند اللّه، لما فيها من العلم والحكمة، ولنزولها من اللوح المحفوظ، رفيعة القدر عند اللّه، منزّهة لا يمسّها إلا المطهرون، مصانة عن الشياطين والكفار، لا ينالونها، ومنزّهة عن النقص والضلالات، محمولة بأيدي ملائكة سفرة وسائط يسفرون بالوحي بين اللّه ورسله لتبليغها للناس، من السفارة : وهي السعي بين القوم.
وهم كرام على ربهم، كرام عن المعاصي، أتقياء مطيعون لربهم، صادقون في إيمانهم، أي إن اللّه تعالى وصف الملائكة بصفات ثلاث : هي كونهم سفراء ينزلون بالوحي بين اللّه وبين رسله، وكرام على ربهم، ومطيعون للّه، كما قال تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء ٢١/ ٢٦] وقال : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم ٦٦/ ٦].
قال ابن جرير الطبري : والصحيح أن السفرة : الملائكة، والسفرة يعني بين اللّه تعالى وبين خلقه، ومنه يقال : السفير : الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير.
فعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ :" مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ " صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (١)
ثم ذم اللّه تعالى من أنكر البعث والنشور من الناس بقوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ أي لعن الإنسان الكافر أو قتل أو عذب ما أشد كفره ؟ ! وهذا دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في الكفر، ودليل على سخط عظيم وذم بليغ، يدل على قبح حاله، وبلوغه حدا من العتو والكبر لا يستحق معه الحياة. وهذا جار على أسلوب العرب عند التعجب من شيء، فيقال : قاتله اللّه ما أفصحه ؟ ! والمراد بالكلام الملائم في حقه تعالى هنا : إرادة إيصال العقاب الشديد للكافر.
ثم ذكّره بخلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال تعالى : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أي من أي شيء مهين حقير، خلق اللّه هذا الكافر بربّه ؟ فلا ينبغي له التكبر عن الطاعة، إنه تعالى خلقه من ماء مهين، وقدّره أطوارا وأحوالا، وسوّاه وهيّأه لمصالح نفسه، وأتمّ خلقه وأكمله بأعضائه الملائمة لحاجاته مدة حياته، وزوّده بطاقات