العقل والفكر والفهم، والقوى والحواس للاستفادة من نعم اللّه تعالى، فلا يستعملها فيما يغضب اللّه، وإنما عليه استعمالها في رضوان اللّه.
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ إما كناية عن خروجه بسهولة من فرج أمه، وإما أنه تعالى يسر له الطريق إلى تحصيل الخير أو الشر، كما قال تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد ٩٠/ ١٠] أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر، وقال سبحانه : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الدهر ٧٦/ ٣].
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي أنه بعد خلقه له وتمكينه من الحياة قبض روحه، وجعله في قبر يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ملقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير، ثم إذا شاء اللّه إنشاره أحياه بعد موته، أو بعثه بعد موته، في الوقت الذي يريده اللّه تعالى. ومنه يقال : البعث والنشور.
والإماتة ستر للعيوب بعد الهرم أو المرض، والإقبار تكرمة حيث لم يلق للطير والسباع، والإنشار أي البعث عدل وفضل. ثم لامه على تقصيره، وأكد كفره بالنعم، فقال : كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي هذا ردع وزجر للإنسان عما هو عليه، فلم يخل إنسان من تقصير قط، فبعض الناس أخل بالكفر، وبعضهم بالعصيان، وبعضهم بارتكاب خلاف الأولى والأفضل لما يليق بمنزلته، وما قضى ما أمره اللّه إلا القليل. والآية تدل على العجب من حال الإنسان، فإنه قد ينكر خالقه بعد قيام الأدلة على وجوده في نفسه وفي السموات والأرض، وقد يجحد نعمة ربه، فلا يقابلها بالحمد والشكر وعرفان الجميل، وينسبها إلى نفسه، وقد يعصي اللّه بالرغم من وجود أدلة الهداية والرشد، وإدراكه مخاطر العصيان.
ومضات :
جاءت هذه الآيات معقبة على الآيات السابقة وبخاصة على الآيتين الأخيرتين منها، فقد تضمنت الآية [٩] كلمة تذكرة فجاءت الآيات لتبين ماهية هذه التذكرة وتنوه بها فهي صحف مكرمة مطهرة رفيعة القدر يبلغها سفراء كرام على اللّه بررة أمناء مخلصون للّه عز وجل فيما يقومون به من مهمة السفارة بينه وبين أنبيائه.
وواضح أن تعبير الصحف على التأويل المتقدم الذي عليه الجمهور هو هنا تعبير مجازي لأن الوحي الرباني لم يكن يحمل إلى النبي - ﷺ - شيئا مكتوبا في صحف وإنما كان يلقى ما يحمله من وحي رباني عليه إلقاء. ولعل في التعبير تلقينا بوجوب تدوين ما يلقيه الوحي في الصحف أو إشارة إلى مصيره إلى ذلك.
والمأثور المتواتر أن النبي - ﷺ - كان يأمر بتدوين ما كان ينزل به الوحي من فصول القرآن في صحف في حين نزوله «٣» حيث يكون قد لمح ذلك التلقين وعمل به.


الصفحة التالية
Icon