رأيت أن تعينني بعمر فافعل ».. يالله! إن رأيت أن تعينني فافعل.. إنها آفاق عوال. لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة الله، على يدي رسول من عند الله!
ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة.
وقال الحسن: حضر باب عمر بن الخطاب سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبو سفيان بن حرب، ونفر من قريش من تلك الرءوس، وصهيب وبلال، وتلك الموالي الذين شهدوا بدرا، فخرج إذن عمر فأذن لهم، وترك هؤلاء، فقال أبو سفيان : لم أر كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه ولا يلتفت إلينا، « قال : فقال سهيل بن عمرو، وكان رجلا عاقلا :» أيها القوم، إني والله لقد أرى الذي في وجوهكم إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعوا ليوم القيامة وتركتم، أما والله لما سبقوكم إليه من الفضل مما لا ترون أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي ننافسهم عليه «، قال : ونفض ثوبه وانطلق، قال الحسن وصدق والله سهيل لا يجعل الله عبدا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه » (١).
وعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ فَرَضَ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِى ثَلاَثَةِ آلاَفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَفَرَضَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِى ثَلاَثَةِ آلاَفٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لأَبِيهِ لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَىَّ فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِى إِلَى مَشْهَدٍ. قَالَ لأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْكَ فَآثَرْتُ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حُبِّى. " (٢).. يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول الله - ﷺ - إنما كان مقوماً بميزان السماء!
ويرسل عمر عماراً ليحاسب خالد بن الوليد القائد المظفر صاحب النسب العريق فيلببه بردائه.. ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى ينتهي من حسابه فتظهر براءته فيفك وثاقه ويعممه بيده.. وخالد لا يرى في هذا كله بأساً. فإنما هو عمار صاحب رسول الله - ﷺ - السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله - ﷺ - ما قال!
وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر رضي الله عنهما هو سيدنا وأعتق سيدنا. يعني بلالاً. الذي كان مملوكاً لأمية بن خلف. وكان يعذبه عذاباً شديداً. حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه.. وعنه يقول عمر بن الخطاب.. عن بلال.. سيدنا!
وكان عمر بن الخطاب يفرط في الثناء عليه حتى قال فيه لما طُعِنَ : لو كان سَالمُ حيا ما جعلتُها شورى، ومعنى هذا القول منه أنه كان يصدر في أمر الخلافة وتقليدها عن رأيه، وأنه كان يفوِّض الاختيار إِليه، ليختار من أولئك النَّفَر الذين جعلها فيهم شورى من يراه ويعينه، لا

(١) - الزهد لأحمد بن حنبل - (٢ / ١١٩) (٥٩٩ ) صحيح مرسل
(٢) - سنن الترمذى- المكنز -(٤١٨٣) وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.


الصفحة التالية
Icon