﴿ من أي شيء خلقه؟ ﴾.. إنه أصل متواضع زهيد، يستمد كل قيمته من فضل الله ونعمته، ومن تقديره وتدبيره :﴿ من نطفة خلقه فقدره ﴾..
من هذا الشيء الذي لا قيمة له؛ ومن هذا الأصل الذي لا قوام له.. ولكن خالقه هو الذي قدره. قدره. من تقدير الصنع وإحكامه. وقدره : من منحه قدراً وقيمة فجعله خلقاً سوياً، وجعله خلقاً كريماً. وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع، إلى المقام الرفيع الذي تسخر له فيه الأرض وما عليها.
﴿ ثم السبيل يسره ﴾.. فمهد له سبيل الحياة. أو مهد له سبيل الهداية. ويسره لسلوكه بما أودعه من خصائص واستعدادات. سواء لرحلة الحياة، أو للاهتداء فيها.
حتى إذا انتهت الرحلة، صار إلى النهاية التي يصير إليها كل حي. بلا اختيار ولا فرار :
﴿ ثم أماته فأقبره ﴾.. فأمره في نهايته كأمره في بدايته، في يد الذي أخرجه إلى الحياة حين شاء، وأنهى حياته حين شاء، وجعل مثواه جوف الأرض، كرامة له ورعاية، ولم يجعل السنة أن يترك على ظهرها للجوارح والكواسر. وأودع فطرته الحرص على مواراة ميته وقبره. فكان هذا طرفاً من تدبيره له وتقديره.
حتى إذا حان الموعد الذي اقتضته مشيئته، أعاده إلى الحياة لما يراد به من الأمر :
﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾.. فليس متروكاً سدى؛ ولا ذاهباً بلا حساب ولا جزاء.
. فهل تراه تهيأ لهذا الأمر واستعد؟
﴿ كلا! لما يقض ما أمره ﴾.. الإنسان عامة، بأفراده جملة، وبأجياله كافة.. لما يقض ما أمره.. إلى آخر لحظة في حياته. وهو الإيحاء الذي يلقيه التعبير بلما. كلا إنه لمقصر، لم يؤد واجبه. لم يذكر أصله ونشأته حق الذكرى.. ولم يشكر خالقه وهاديه وكافله حق الشكر. ولم يقض هذه الرحلة على الأرض في الاستعداد ليوم الحساب والجزاء.. هو هكذا في مجموعه. فوق أن الكثرة تعرض وتتولى، وتستغني وتتكبر على الهدى! (١)
ما ترشد إليه الآياتُ
١- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي مقتضية للإِيمان به وبآياته ورسوله ولقائه.
٢- الاستدلال بالصنعة على الصانع. وأن أثر الشيء يدل عليه، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله.
٣- القرآن كتاب جليل عند اللّه، فهو مثبت مودع في صحف مكرمة عند اللّه، لما فيها من العلم والحكمة، رفيعة القدر عند اللّه، مطهرة من كل دنس، مصانة عن أن ينالها الكفار،

(١) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (٦ / ٣٨٢٥)


الصفحة التالية
Icon