للتنديد. كذلك فإن الآيات ليست بسبيل بيان نواميس الطبيعة، وإنما هي بسبيل الوعظ والتذكير بما هو ماثل للناس وواقع تحت مشاهدتهم وحاصل بممارستهم وفيه متاع متنوع الأشكال والصور لهم. وقد استهدفت إيقاظ الضمير الإنساني وحمله على الاعتراف بفضل اللّه وحقه وربوبيته.
وهذا وذاك مما يلحظ في جميع الفصول القرآنية المماثلة. (١)
« إِنَّها تَذْكِرَةٌ » أي إن دعوتك، هى تذكرة للناس، وتنبيه للغافل، وحسب..
وليس لك أن تذهب إلى أبعد من هذا.. فمع كل إنسان عقله الذي يهديه، ومع كل إنسان فطرته التي من شأنها أن تدعوه إلى الحق والخير، وتصرفه عن الضلال والشر..
إن رسالة الرسل ليست إلا إيقاظا لهذا العقل إذا غفل، وإلا تذكيرا لهذه الفطرة إذا نسيت.. وإنه ليكفى لهذا أن يؤذّن مؤذّن الحقّ فى الناس، فمن شاء أجاب، ومن شاء أعرض!.
والضمير فى « ذكره » وهو الهاء، يعود إلى اللّه سبحانه وتعالى، فمن شاء ذكر ربه بهذه التذكرة التي جاءته من آيات اللّه، التي يتلوها عليه رسول اللّه..
قوله تعالى :« فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ ». أي هذه التذكرة ـ وهى آيات اللّه ـ هى فى صحف مكرمة عند اللّه، وهى صحف مطهرة فى مقام عال لا يرقى إليها فيه دنس.. والصحف المكرمة المطهرة، صحف اللوح المحفوظ..
قوله تعالى :« مرفوعة » أي عالية القدر، مطهرة من كل نقص أو عيب..
وقوله تعالى :« بأيدى سفرة » أي أنها محمولة من اللوح المحفوظ إلى رسل اللّه بأيدى ملائكة، يسفرون بها بين اللّه سبحانه وتعالى، وبين رسله، فهم سفراء اللّه إلى الرسل..
والبررة، جمع بارّ، وهو التقىّ النقي، المبرأ من الدنس والرجس..
هذا، وفى هذه الآيات التي ووجه فيها النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ بهذا العتاب الرحيم الرفيق من ربه ـ ما نود أن نقف عنده :
فأولا : أن قدر الإنسان ومنزلته، هى فيما فى عقله من بصيرة، وما فى قلبه من استعداد لتقّبل الخير والإقبال عليه.. وأن رجلا فقيرا أعمى يحمل مثل هذا العقل وذلك القلب، ليرجح ميزانه المئات والألوف من الذين عميت بصائرهم، وزاغت قلوبهم، ولو كانوا فى الناس سادة، وقادة، بمالهم، وجاههم وسلطانهم..

(١) - التفسير الحديث، ج ٢، ص : ١٢٧


الصفحة التالية
Icon