كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها؛ حتى وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع. وكان هذا أثراً من آثار الماء تالياً في تاريخه لصب الماء صباً. مما يتسق أكثر مع هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص..
وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث، وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه.
التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين، وأعمها في طعام الناس والحيوان :﴿ فأنبتنا فيها حباً ﴾.. وهو يشمل جميع الحبوب. ما يأكله الناس في أية صورة من صوره، وما يتغذى به الحيوان في كل حالة من حالاته.﴿ وعنباً وقضباً ﴾.. والعنب معروف. والقضب هو كل ما يؤكل رطباً غضاً من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى..﴿ وزيتوناً ونخلاً. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا ﴾.. والزيتون والنخل معروفان لكل عربي، والحدائق جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها. و ﴿ غلبا ﴾ جمع غلباء. أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار. والفاكهة من ثمار الحدائق و﴿ الأب ﴾ أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام. وهو الذي سأل عنه عمر بن الخطاب ثم راجع نفسه فيه متلوّماً! كما سبق في الحديث عن سورة النازعات! فلا نزيد نحن شيئاً!
هذه هي قصة الطعام. كلها من إبداع اليد التي أبدعت الإنسان. وليس فيها للإنسان يد يدعيها، في أية مرحلة من مراحلها.. حتى الحبوب والبذور التي قد يلقيها هو في الأرض.. إنه لم يبدعها، ولم يبتدعها. والمعجزة في إنشائها ابتداء من وراء تصور الإنسان وإدراكه. والتربة واحدة بين يديه، ولكن البذور والحبوب منوعه، وكل منها يؤتى أكله في القطع المتجاورات من الأرض. وكلها تسقى بماء واحد، ولكن اليد المبدعة تنوع النبات وتنوع الثمار؛ وتحفظ في البذرة الصغيرة خصائص أمها التي ولدتها فتنقلها إلى بنتها التي تلدها.. كل أولئك في خفية عن الإنسان! لا يعلم سرها ولا يقضي أمرها، ولا يستشار في شأن من شؤونها..
هذه هي القصة التي أخرجتها يد القدرة :﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾.. إلى حين. ينتهي فيه هذا المتاع؛ الذي قدره الله حين قدر الحياة. (١)
ما ترشد إليه الآياتُ
١- أمر اللّه تعالى بالنظر والاستدلال والتدبر إلى الطعام الذي يتناوله الإنسان، ويعيش به، كيف دبّر اللّه أمره، من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالحراثة على الدواب أو بالآلات، وإخراج أنواع النبات المختلفة..

(١) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (٦ / ٣٨٣٢)


الصفحة التالية
Icon