وذكر أن الناس حينئذ فريقان : فريق ضاحك مستبشر، فرح فرح المحب يلقى حبيبه، وهو من كان يعتقد الحق ويعمل للحق، وفريق تعلو وجهه الغبرة، وترهقه القترة، وهو الذي تمرد على اللّه ورسوله، وأعرض عن قبول ما جاءه من الحقّ، ولم يعمل بما أمر به من صالح الأعمال. (١)
وهذه الآيات أيضا معقبة على ما سبقها واستمرار في السياق، وقد تضمنت إنذارا بيوم القيامة ووصفا لهوله الذي يذهل المرء عن أقرب الناس إليه، وتصنيفا للناس فيه. فمنهم الفرح المغتبط المستبشر وهم المؤمنون الصالحون، ومنهم المربد الوجه الذي يعلوه الوسخ والاسوداد من شدة البلاء، وهم الكفرة الفجرة.
والوصف قوي من شأنه إثارة الطمأنينة في الفريق الأول والفزع والرعب في الفريق الثاني. وحفز الأول على الثبات فيما هو فيه والثاني على الارعواء وتلافي العاقبة الوخيمة الرهيبة وهو في متسع من الوقت وهما مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر. (٢)
هكذا الشأن بعد تعداد النعم، والتذكير بآلاء اللّه - تعالى - التي تقتضي من الإنسان النظر الصحيح والبعد عن الكبر والكفر والفجور، أخذ اللّه - سبحانه وتعالى - يذكرنا بيوم القيامة وأهواله التي تجعل الإنسان يذهل عن أحب الناس إليه، فإذا وقعت الواقعة وجاءت الصاخة، يوم يفر المرء ويتباعد عن أخيه ولا يأخذ بناصره ولا يواليه يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وقد كان في الدنيا يستنصر به ويعتز، بل يفر كذلك من أبويه، أمه وأبيه، بل يفر كذلك من الذين يتعلق بهم قلبه أشد من غيرهم كزوجة وبنيه وكيف لا يكون ذلك ؟ ولكل امرئ منهم يومئذ شيء يصرفه ويصده عن قرابته وأهله، ويوم القيامة ترى وجوها مضيئة متهللة فارغة البال ضاحكة السن مستبشرة فرحة، تلك هي وجوه المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهناك وجوه أخرى عليها غبرة ويعلوها سواد فهم في هم وحزن وكمد، أولئك هم الكفرة الذين كفروا باللّه ورسوله ولم يؤمنوا باليوم الآخر وكانوا في الدنيا فجرة قد خرجوا عن حدود الشرع والعقل والعرف الصحيح، واجترحوا السيئات فكان جزاؤهم ذلك وبئس المصير. (٣)
التفسير والبيان :
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ أي إذا جاءت القيامة أو صيحة يوم القيامة التي تصخ الأذن، أي تصمها فلا تسمع. والصاخّة : اسم من أسماء القيامة، عظّمه اللّه وحذّر عباده. قال البغوي : الصاخة : يعني صيحة يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخّ الأسماع وتصمّ الآذان لشدتها، أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمّها. وقال ابن جرير : لعله اسم للنفخة في الصور.
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي إذا جاءت الصاخة حين يرى المرء أعز أقاربه وأخصهم لديه، وأولاهم بالحنو والرأفة

(١) - تفسير المراغي - (١ / ٥٤٠٠)
(٢) - التفسير الحديث، ج ٢، ص : ١٢٨
(٣) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (٣ / ٨٢٦)


الصفحة التالية
Icon