والعطف، من أخ وأم وأب وزوجة وولد، ويفر منهم ويبتعد عنهم لأن الهول عظيم والخطب جليل، ولكل امرئ منهم يومئذ حال أو شغل يشغله عن الأقرباء ويصرفه منهم، ويفرّ عنهم، حذرا من مطالبتهم إياه بشيء يهمهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة، وهو كقوله تعالى : يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [الدخان ٤٤/ ٤١] وقوله سبحانه : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [المعارج ٧٠/ ١٠].
والمراد : أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، فإنه يفر منهم في دار الآخرة. وفائدة الترتيب واضحة، وهي الفرار من الأبعد وهو الأخ، ثم من الأبوين، ثم من الزوجة والولد، من قبيل الترقي إلى الأحب عادة والأقرب، قال الزمخشري : بدأ بالأخ، ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم الصاحبة والبنين لأنهم أقرب وأحب، كأنه قال : يفر من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه. وأيده الرازي في هذا.
وعقب النظام النيسابوري في غرائب القرآن على ذلك فقال : هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين، ولعله خلاف العقل والشرع. والأصوب أن يقال : أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أولا في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول والصاحبة في الثاني. على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة، فكانت بالتقديم أولى (١).
والأظهر أن الفرار المعنى : هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء، بدليل قوله : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته (٢).
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ « تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ أَيُبْصِرُ أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ قَالَ « يَا فُلاَنَةُ (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) » سنن الترمذى (٣)
وعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ « إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً ». قُلْتُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ « إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ » سنن النسائى. (٤).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ حَدَّثَنِى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - « تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً » قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا
(٢) - غرائب القرآن، المكان السابق.
(٣) - سنن الترمذى -(٣٦٥٢ ) صحيح
(٤) - سنن النسائى - (٢٠٩٦ ) صحيح