وهذه الرؤية بعد رؤيته في بدء الوحي عند غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض في صورته، له ست مائة جناح. وقيل : هي الرؤية التي رآه فيها عند سدرة المنتهى، وسمي ذلك الموضع أفقا مجازا، وقد كانت له عليه السلام رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه (١).
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي ليس محمد - ﷺ - على ما أنزله اللّه عليه من الوحي وخبر السماء ببخيل مقصر في التعليم والتبليغ، بل يعلّم الخلق كلام اللّه وأحكامه دون أي انتقاص، وهو ثقة مؤتمن لا يأتي بشيء من عند نفسه، ولا يبدل ولا يغير أي حرف أو معنى فيه.
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي وما القرآن بقول شيطان يسترق السمع، مرجوم بالشهب، فالقرآن ليس بشعر ولا كهانة، كما قالت قريش، وهذا كقوله تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء ٢٦/ ٢١٠- ٢١٢].
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ أي : أيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بيّنت لكم ؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند اللّه تعالى ؟
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم بما ينفعهم، وتحذير لهم عما يضرهم، لمن أراد من البشر أن يستقيم على الحق والإيمان والطاعة، فمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه.
قال الزمخشري : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من لِلْعالَمِينَ وإنما أبدلوا منهم لأن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، وإن كانوا موعوظين جميعا.
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي وما تشاؤون الاستقامة ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة اللّه وتوفيقه، فليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى، ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة اللّه تعالى ربّ الإنس والجن والعالم كله. آمنت باللّه وبما يشاء، فلا يقدر أحد على شيء إلا بما يخلق فيه من قوة، وبما يودع اللّه فيه من قدرة يتمكن من توجيهها نحو الإيمان والخير أو نحو الكفر والشر، وهذا يعني أن اللّه أودع في الناس قدرة الاختيار، بدليل الآيات الأخرى التي تنفي الإجبار والإكراه.
ومضات :

(١) - البحر المحيط : ٨/ ٤٣٤- ٤٣٥


الصفحة التالية
Icon