يقاسون حر النار، وأنه فى هذا اليوم لا يجد المرء ما يعوّل عليه سوى ما قدمت يداه، فيجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقرباء فلا شفيع ولا نصير، ولا وزير ولا مشير، والحكم للّه وحده، وهو المهيمن على عباده، وبيده تصريف أمورهم، وهو الصادق فى وعده، العدل الحكيم فى وعيده، فلا مهرب لعامل مما أعدّ له من الجزاء على عمله. (١)
« كلا » ارتدع عن الاغترار بمولاك، ولا تجعل كرمه حجة لعصيانه فتلك حجة المغرورين المخدوعين، فقد خلقك في صورة حسنة كاملة وركّبك في أى صورة شاءها.
و لكنكم يا معشر العصاة والكفار لا ترتدعون بل تكذبون بيوم الدين، أو تكذبون بدين الإسلام، والحال أن اللّه جعل عليكم حافظين : ملائكة تكتب أعمالكم وتحفظها ليوم الدين، وهم كرام بررة، كاتبون للأعمال : خيرها وشرها، يعلمون كل ما تفعلون.
ويوم القيامة تعرفون وتندمون ولات ساعة مندم.
وما نتيجة هذا الحفظ والكتب من الملائكة ؟ النتيجة : إن الأبرار لفي نعيم مقيم، وإن الفجار لفي جحيم مقيم، يصلونها ويحترقون بنارها يوم الدين. أما الأبرار فأولئك هم العاملون المؤمنون باللّه وباليوم الآخر وبالملائكة والكتاب والنبيين، الذين آتوا المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، ووفوا بالعهود، وصبروا في البأساء والضراء وحين البأس أولئك هم الذين صدقوا اللّه في إيمانهم، وأما الفجار فهم على النقيض من ذلك كله.
وما أدراك ما يوم الدين ؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين ؟ ! وهذا تعجب من حال الإنسان الذي لا يعرف هذا اليوم الشديد ولا يعمل له لينجو من عذابه (٢)
التفسير والبيان :
كَلَّا، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ أي ارتدعوا وانزجروا عن الاغترار بكرم اللّه وجعله ذريعة إلى الكفر به، والواقع أنكم تكذبون بيوم المعاد والحساب والجزاء، حيث لا يحملكم الخوف من هذا اليوم على التزام طاعة اللّه واجتناب معاصيه.
ثم زاد في التحذير من العناد والتكذيب بالإخبار أن جميع الأعمال مرصودة على الناس بالملائكة، فقال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ أي إن عليكم لملائكة حفظة كراما، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، ويعلمون جميع ما تفعلون، كما قال تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق ٥٠/ ١٧- ١٨].
(٢) التفسير الواضح، ج ٣، ص : ٨٣٧