إن القرآن ليستجيش في القلب أرفع المشاعر بإقرار هذه الحقيقة فيه بهذا التصور الواقعي الحي القريب إلى الإدراك المألوف..
ثم يقرر مصير الأبرار ومصير الفجار بعد الحساب، القائم على ما يكتبه الكرام الكاتبون :
﴿ إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين. وما هم عنها بغائبين ﴾..
فهو مصير مؤكد، وعاقبة مقررة. أن ينتهي الأبرار إلى النعيم. وأن ينتهي الفجار إلى الجحيم. والبرّ هو الذي يأتي أعمال البّر حتى تصبح له عادة وصفة ملازمة. وأعمال البر هي كل خير على الإطلاق. والصفة تتناسق في ظلها مع الكرم والإنسانية. كما أن الصفة التي تقابلها :﴿ الفجار ﴾ فيها سوء الأدب والتوقح في مقارفة الإثم والمعصية. والجحيم هي كفء للفجور! ثم يزيد حالهم فيها ظهوراً.. ﴿ يصلونها يوم الدين ﴾.. ويزيدها توكيداً وتقريراً :﴿ وما هم عنها بغائبين ﴾ لا فراراً ابتداء. ولا خلاصاً بعد الوقوع فيها ولو إلى حين! فيتم التقابل بين الأبرار والفجار. وبين النعيم والجحيم. مع زيادة الإيضاح والتقرير لحالة رواد الجحيم!
ولما كان يوم الدين هو موضع التكذيب، فإنه يعود إليه بعد تقرير ما يقع فيه. يعود إليه ليقرر حقيقته الذاتية في تضخيم وتهويل بالتجهيل وبما يصيب النفوس فيه من عجز كامل وتجرد من كل شبهة في عون أو تعاون. وليقرر تفرد الله بالأمر في ذلك اليوم العصيب :﴿ وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، والأمر يومئذ لله ﴾..
والسؤال للتجهيل مألوف في التعبير القرآني. وهو يوقع في الحس أن الأمر أعظم جداً وأهول جداً من أن يحيط به إدراك البشر المحدود. فهو فوق كل تصور وفوق كل توقع وفوق كل مألوف.
وتكرار السؤال يزيد في الاستهوال..
ثم يجيء البيان بما يتناسق مع هذا التصوير :﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ﴾.. فهو العجز الشامل. وهو الشلل الكامل. وهو الانحسار والانكماش والانفصال بين النفوس المشغولة بهمها وحملها عن كل من تعرف من النفوس! ﴿ والأمر يومئذ لله ﴾.. يتفرد به سبحانه. وهو المتفرد بالأمر في الدنيا والآخرة. ولكن في هذا اليوم يوم الدين تتجلى هذه الحقيقة التي قد يغفل عنها في الدنيا الغافلون المغرورون. فلا يعود بها خفاء، ولا تغيب عن مخدوع ولا مفتون!
ويتلاقى هذا الهول الصامت الواجم الجليل في نهاية السورة، مع ذلك الهول المتحرك الهائج المائج في مطلعها. وينحصر الحس بين الهولين.. وكلاهما مذهل مهيب رعيب! وبينهما ذلك العتاب الجليل المخجل المذيب! (١)

(١) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (٦ / ٣٨٥٠)


الصفحة التالية
Icon