الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب. رجعته متهللاً فرحاً مسروراً بالنجاة واللقاء في الجنان!
وهو وضع يقابل وضع المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيئ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره :﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً. ويصلي سعيراً ﴾.. والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال. فهذه صورة جديدة : صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر. وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك من وراء ظهره. فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة!
ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إيتائه باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر. إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول؛ وحقيقة الهلاك من وراء التعبير الثاني. وهما الحقيقتان المقصود أن نستيقنهما. وما وراء ذلك من الأشكال إنما يحيي المشهد ويعمق أثره في الحس، والله أعلم بحقيقة ما يكون كيف تكون!
فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحاً، وقطع طريقه إلى ربه كدحاً ولكن في المعصية والإثم والضلال يعرف نهايته، ويواجه مصيره، ويدرك أنه العناء الطويل بلا توقف في هذه المرة ولا انتهاء. فيدعو ثبوراً، وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء. وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به، يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه. حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه. وهذا هو المعنى الذي أراده المتنبي وهو يقول :
| كفى بك داء أن ترى الموت شافياً | وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا |
وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعاً إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء..
﴿ إنه كان في أهله مسروراً. إنه ظن أن لن يحور ﴾.. وذلك كان في الدنيا.. نعم كان.. فنحن الآن مع هذا القرآن في يوم الحساب والجزاء وقد خلفنا الأرض وراءنا بعيداً في الزمان والمكان!
﴿ إنه كان في أهله مسروراً ﴾.. غافلاً عما وراء اللحظة الحاضرة؛ لاهياً عما ينتظره في الدار الآخرة، لا يحسب لها حساباً ولا يقدم لها زاداً.. ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ إلى ربه، ولن يرجع إلى بارئه، ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئاً للحساب!