وإن هذا القرآن جميل. موح. وفيه من اللمسات والموحيات ما يصل القلب البشري بالوجود الجميل، وببارئ الوجود الجليل. ويسكب فيه حقيقة الكون الكبيرة الموحية بحقيقة خالقه العظيم.. ﴿ فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟ ﴾..
إنه لأمر عجيب حقاً. يضرب عنه السياق ليأخذ في بيان حقيقة حال الكفار، وما ينتظرهم من مآل :﴿ بل الذين كفروا يكذبون. والله أعلم بما يوعون. فبشرهم بعذاب أليم ﴾..
بل الذين كفروا يكذبون. يكذبون إطلاقاً. فالتكذيب طابعهم وميسمهم وطبعهم الأصيل. والله أعلم بما يكنون في صدورهم، ويضمون عليه جوانحهم، من شر وسوء ودوافع لهذا التكذيب.
ويترك الحديث عنهم، ويتجه بالخطاب إلى الرسول الكريم :﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾.. ويا لها من بشرى لا تسر ولا يودها متطلع إلى بشرى من بشير!
وفي الوقت ذاته يعرض ما ينتظر المؤمنين الذين لا يكذبون، فيستعدون بالعمل الصالح لما يستقبلون. ويجيء هذا العرض في السياق كأنه استثناء من مصير الكفار المكذبين :﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. لهم أجر غير ممنون ﴾..
وهو الذي يقال عنه في اللغة إنه استثناء منقطع. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يكونوا داخلين ابتداء في تلك البشارة السوداء ثم استنثوا منها! ولكن التعبير على هذا النحو أشد إثارة للانتباه إلى الأمر المستثنى!
والأجر غير الممنون.. هو الأجر الدائم غير المقطوع.. في دار البقاء والخلود..
وبهذا الإيقاع الحاسم القصير، تنتهي السورة القصيرة العبارة، البعيدة الآماد في مجالات الكون والضمير. (١)
ما ترشد إليه الآياتُ
١- بيان أن الإِنسان مقبل على أحوال وأهوال حالا بعد حال وهولا بعد هول إلى أن ينتهى إلى جنة أو نار.
٢- ماذا يمنع الكفار عن الإيمان باللّه تعالى ورسوله - ﷺ - واليوم الآخر والقرآن بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات ؟ ! وماذا يمنعهم عن الخضوع والسجود للقرآن عند سماعه، بعد ما عرفوا أنه معجز، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ؟ ! وهذا توبيخ على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن.
٣- مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية وهي وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون.

(١) - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (٦ / ٣٨٦٨)


الصفحة التالية
Icon