وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ « لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ».. (١)
وواضح من كل ما تقدم أن استغفار المستغفرين وتوبة التائبين باللسان إذا كانت على غير أساس هذه الشروط تظل لغوا لا قيمة له ولا فائدة.
وفي القرآن آية تذكر غفران اللّه لمن يشاء بدون أن يكون ذلك مترافقا مع ذكر التوبة وهي آية سورة النساء هذه : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً النساء [٤٨]. والمتبادر أن أسلوب الآية جاء بسبيل تشنيع الشرك وتعظيمه، وما دام القرآن يفسر بعضه بعضا فالمتبادر أن ما جاء في الآيات الكثيرة الأخرى من غفران الشرك إذا تاب عنه المشرك ومن شرط التوبة والإخلاص فيها لمرتكبي الذنوب يقيد الإطلاق الذي جاءت عليه الآية.
وهناك آية تقرر الخلود في جهنم لقاتل المؤمن عمدا دون أن يرد فيها ذكر للتوبة جريا على النظم القرآني في الأمثلة المتقدمة. وهي آية سورة النساء هذه : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً النساء [٩٣] ولقد استند عليها بعض العلماء وأصحاب المذاهب الكلامية وقالوا إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. ولقد روى الشيخان عن ابن عباس أن لا توبة لقاتل المؤمن العمد استنادا إلى هذه الآية وإن سعيد بن جبير لما راجعه في ذلك وقال له إن آيات سورة الفرقان [٧٠- ٧١] تفتح باب التوبة للقاتل وغيره قال له إن هذه آيات مكية قد نسختها آية مدنية وهي آية سورة النساء المار ذكرها. مع أن آيات سورة النساء [١١٠] و[١٤٧] و[١٤٩] وسورة المائدة [٣٣- ٣٤] و[٣٨- ٣٩] وسورة التوبة [٣ و٥] و[١٠] و[١١] و [٧٤] والتي أوردناها قبل قد نزلت بعد آية سورة النساء [٩٣] وقد أبقت باب التوبة مفتوحا لمختلف الفئات من مشركين وكفار ومرتدين ومنافقين ومحاربين للّه ورسوله وسارقين إلخ حيث يسوغ هذا التوقف في التسليم بقول ابن عباس والقول إن أسلوب آية النساء [٩٣] إنما جاء على ما جاء به بسبيل تشنيع قتل المؤمن العمد وتغليظه وتعظيمه وإن باب التوبة يظل مفتوحا لقاتل المؤمن العمد إذا كان مؤمنا مخلصا وتاب توبة صادقة. ولقد روى الشيخان تتمة الحديث الذي روياه عن سعيد ابن جبير وابن عباس وهي أن سعيدا أخبر مجاهدا وهو من كبار علماء التابعين ومفسريهم بجواب ابن عباس فعقب قائلا «إلّا من ندم» حيث يدعم هذا ما قلنا.
وما قاله مفسرون آخرون قبلنا أيضا. وهنا آثار نبوية مؤيدة لذلك أيضا حيث تذكر أن الخلود في النار هو لمن يستحل القتل ومات على ذلك لأنه يكون كافرا. وتذكر أن لا خلود لمن مات

(١) - رواه مسلم (٦٧٤٥ )


الصفحة التالية
Icon