وإنها في ظروف نزولها كانت على سبيل وصف واقعهم من جهة ولإنذارهم وتخويفهم وحملهم على الارعواء والتوبة إلى اللّه من جهة أخرى. وهناك دليل من الوقائع الثابتة من سيرة الرسول - ﷺ - على ذلك وهو أن كثيرا من الذين نعتوا في الآيات بما نعتوا وأنذروا بما أنذروا وقرر في حقهم وسجل عليهم ما قرر وسجل بل غالبيتهم- باستثناء غالبية يهود الحجاز الذين لم يكونوا بالنسبة لعرب الحجاز فضلا عن الجزيرة العربية إلّا أقلية ضئيلة- قد آمنوا في حياة النبي - ﷺ - قبل الهجرة وبعدها وحسن إسلامهم ونالوا رضاء اللّه وتنويهه في القرآن في آيات كثيرة منها هذه الآية في سورة التوبة التي نزلت في أواخر حياة النبي - ﷺ - : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠). (١)
الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : أي الذين كادوا لهم فى دينهم، وأخذوهم بالبأساء والضراء ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم منه.
وهذا وعيد من اللّه سبحانه وتعالى لكل من تعرض لأوليائه المؤمنين والمؤمنات، بأذى، يريد أن يصرفهم عن الإيمان، أو يصدّهم عنه.. فهؤلاء الذين آذوا المؤمنين والمؤمنات بسبب إيمانهم، إذا لم ينزعوا عما هم فيه، ولم يرجعوا إلى اللّه مؤمنين تائبين، فقد أعدّ اللّه لهم عذاب جهنم، بما فيها من مقامع من حديد، ومن شدّ إلى السلاسل والأغلال، ومن حميم يصبّ فوق الرءوس، ومن غساق يقطع الأمعاء.. ثم لهم فوق ذلك كله عذاب الحريق، أي عذاب النار ذاتها، الذي يرعى أجسامهم، كما ترعى النار الحطب. (٢)
إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف. فالبقية آتية هناك. والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه، ويفصل فيما كان بين المؤمنين والطاغين آت. وهو مقرر مؤكد، وواقع كما يقول عنه الله :﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾.. ومضوا في ضلالتهم سادرين، لم يندموا على ما فعلوا ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾.. ﴿ فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ﴾.. وينص على ﴿ الحريق ﴾.. وهو مفهوم من عذاب جهنم. ولكنه ينطق به وينص عليه ليكون مقابلاً للحريق في الأخدود. وبنفس اللفظ الذي يدل على الحدث. ولكن أين حريق من حريق؟ في شدته أو في مدته! وحريق الدنيا بنار يوقدها الخلق. وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق! وحريق الدنيا لحظات وتنتهي، وحريق الاخرة آباد لا يعلمها إلا الله! ومع حريق الدنيا رضى الله عن المؤمنين وانتصار لذلك المعنى الإنساني الكريم. ومع حريق الآخرة غضب الله، والارتكاس الهابط الذميم!
(٢) - التفسير القرآني للقرآن، ج ١٦، ص : ١٥١٦