ويتمثل رضى الله وإنعامه على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة :﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾.. وهذه هي النجاة الحقيقية :﴿ ذلك الفوز الكبير ﴾.. والفوز : النجاة والنجاح. والنجاة من عذاب الآخرة فوز. فكيف بالجنات تجري من تحتها الأنهار؟
بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه. وهي الخاتمة الحقيقية للموقف. فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفاً من أطرافه، لا يتم به تمامه.. وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها هذا التعقيب الأول على الحادث لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة، وفي قلوب كل فئة مؤمنة تتعرض للفتنة على مدار القرون. (١)
ما ترشد إليه الآياتُ
١- إن الذين حرّقوا المؤمنين بالنار، من أصحاب الأخدود وغيرهم، ثم ماتوا على الكفر، ولم يتوبوا من قبيح صنيعهم، فلهم في الآخرة عذاب جهنم المخزي لكفرهم، ولهم العذاب المحرق لإحراقهم المؤمنين بالنار. وعذاب جهنم وعذاب الحريق إما متلازمان، والغرض من الثاني التأكيد، وإما مختلفان في الدركة : الأول لكفرهم، والثاني لأنهم فتنوا أهل الإيمان. وقيل : الأول في الآخرة، والثاني في الدنيا، أو أن الأول عذاب ببرد جهنم وزمهريرها، والثاني عذاب بحرّها.
وفي هذا تصريح بأن التوبة تسقط أثر الذنب وترفع العقوبة، واللَّه يرغب دائما بها..
٢- إن الذين آمنوا أي صدقوا باللَّه وبرسله، وعملوا الصالحات المأمور بها وتركوا المنهي عنها، لهم جنات (أي بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وذلك الفوز الساحق العظيم الذي لا فوز يشبهه.
وإنما قال تعالى : ذلِكَ الْفَوْزُ ولم يقل « تلك » لأن ذلِكَ إشارة إلى إخبار اللَّه تعالى بحصول هذه الجنات، وقوله « تلك » إشارة إلى الجنات، وإخبار اللَّه تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيا، والْفَوْزُ الْكَبِيرُ : هو رضا اللَّه، لا حصول الجنة، فاللهم أرضنا وارض عنا يا كريم.
٣- فائدة القصص هي الموعظة تحصل للعبد فلا يترك واجباً ولا يغشى محرما.
٤-وقصة أصحاب الأخدود، ولا سيما آية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.. تدل على أن المستكره على الكفر بالإهلاك الشديد، الأولى به أن يصبر على ما خوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك، فعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ : إِنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ أَخَذُوا رَجُلَيْنِ مِنَ