(٢) الجيوش الجرارة والأساطيل العظيمة التي توقع بأعدائه وتنكل بهم، وبذلك يهاب جانبه، وإليهما معا أشار بقوله فيما سلف :« الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » وهنا زاد الأمر إيضاحا بقوله « إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ » الآية. (١)
هل بلغك قصص أولئك الجنود، أصحاب القوة والبأس الشديد، مثل فرعون وجنوده وقبيلة عاد وثمود، وكانوا أكثر منكم أموالا وأولادا، فلما كذبوا بالرسل وكفروا بالبعث، وآذوا رسلهم، أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر، أخذهم ربك بظلمهم وما ربك بظلام للعبيد.
لو نظر العاقل في تلك الآيات يسوقها الحق للاعتبار والاتعاظ لاهتدى إلى سنة اللّه في خلقه، وأنها لا تتحول ولا تتغير، ولكن كفار مكة لم يكن فيهم شيء من ذلك بل كانوا في كفر وتكذيب، وكأن الكفر والتكذيب إطار وهم داخلون فيه لا يتجاوزونه.
واللّه من ورائهم محيط، وهو على كل شيء قدير، فهم لا يعجزونه في الأرض ولا في السماء.
وهل لهؤلاء عذر في تكذيبهم وعدم إيمانهم ؟ لا. بل هو قرآن مجيد : قرآن كريم، قد رفع اللّه قدره، وشرف مكانته، وجعله كاملا في كل شيء، وهو في لوح محفوظ، ولذلك هم في ضلال ولا عذر لهم.
ويقول الشيخ محمد عبده - رحمه اللّه - في تفسيره : واللوح المحفوظ شيء أخبر اللّه به وأنه أودعه كتابه، ولم يعرفنا حقيقته، فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن اللّه قد حفظ فيه كتابه إيمانا بالغيب. (٢)
التفسير والبيان :
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي إن جزاء ربك وانتقامه من الجبابرة والظلمة، ومن أعدائه الذين كذبوا رسله، وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، مضاعف إذا أراد، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان، ويكون ما يريد مثل لمح البصر أو هو أقرب. وفي هذا تأكيد للوعيد، وإرهاب لكفار قريش وأمثالهم.
ثم زاد الأمر تأكيدا بقوله : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي إنه تعالى تام القدرة، فهو الذي يبدأ الخلق ويخلقهم أولا في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. أو هو الذي يبدأ البطش ويعيده، أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء إبداء الخلق، وكذبوا بالإعادة.
ثم أكّد اللَّه تعالى الوعد بإيراد خمس صفات لجلاله وكبريائه وهي :

(١) - تفسير المراغي، ج ٣٠، ص : ١٠٥
(٢) - التفسير الواضح، ج ٣، ص : ٨٤٩


الصفحة التالية
Icon