ثم ردّ على تكذيبهم بالقرآن، فقال : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي إن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حدّ الإعجاز، متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون : إنه شعر وكهانة وسحر. وإنما هو كلام اللَّه المصون عن التغيير والتحريف، المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهذا كقوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة ٥٦/ ٧٧- ٧٨]. أي أن الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحد.
قال بعض المتكلمين : اللوح شيء يلوح للملائكة، فيقرءونه، وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا، أي أن اللوح المحفوظ شيء أخبرنا اللَّه به، فيجب علينا الإيمان به كما أخبر اللَّه، وإن لم نعرف حقيقته.
ومضات :
قَوْلُهُ : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - : هَلْ جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الْجُنُودِ، الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَذَاهُمْ وَمَكْرُوهِهِمْ ؛ يَقُولُ : قَدْ أَتَاكَ ذَلِكَ وَعَلِمْتَهُ، فَاصْبِرْ لِأَذَى قَوْمِكَ إِيَّاكَ، لِمَا نَالُوكَ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ، كَمَا صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلَاءِ الْجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِنْ رُسُلِي، وَلَا يُثْنِيكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسَالَتِي، كَمَا لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَى هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ عَاقِبَةَ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْكَ وَيُؤْمَنْ بِكَ مِنْهُمْ إِلَى عَطَبٍ وَهَلَاكٍ، كَالَّذِي كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُنُودِ، ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْجُنُودِ مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ : فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يَقُولُ : فِرْعَوْنُ، فَاجْتُزِئَ بِذِكْرِهِ، إِذْ كَانَ رَئِيسَ جُنْدِهِ، مِنْ ذِكْرِ جُنْدِهِ وَتُبَّاعِهِ. وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَثَمُودَ ؛ وَخَفَضَ فِرْعَوْنَ رَدًّا عَلَى الْجُنُودِ، عَلَى التَّرْجَمَةِ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا فُتِحَ لِأَنَّهُ لَا يُجْرَى وَثَمُودُ " (١)
الآيات متصلة بسابقاتها نظما وموضوعا، حيث احتوت تذكيرا آخر بما كان من مواقف فرعون وثمود وجموعهم المجندة وتمردهم ونكال اللّه فيهم، وإنذارا للكافرين المكذبين بنقمة اللّه المحيط بهم.
وقد انتهت السورة بالتنويه بالقرآن بسبيل توكيد صلة اللّه به وتوكيد ما احتواه من نذر ووعيد للطغاة المتمردين. فهو كتاب اللّه المجيد الذي لا يمكن أن يطرأ عليه تبديل وتغيير لأن اللّه حافظ له في لوحه.
ومهما يكن من أمر فإننا نقول إن القرآن لم يحتو أي بيان عن ماهية اللوح ومدى الجملة. وأنه ليس هناك أثر نبوي صحيح في ذلك وهما المصدران اللذان يجب الوقوف عندهما في مثل هذه الأمور الغيبية. وليس فيما قيل وروي عن غير النبي - ﷺ - ما يمكن أن تطمئن به النفس باستثناء